المقريزي
16
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
الأعين ثم تأتي راكبة فوق الزّير بعد ساعة ومعها الزّنجبيل الأخضر والفلفل الأخضر من منابتهما بأرض الهند . وأخبرني عن مملوك له مات في طاعون سنة تسع وثماني مائة أنه خرجت بثرة في صدره فأتاه طبيب من أهل القدس وأخذ فرّوجا من صغار الدّجاج فجعل دبره على رأس البثرة فحال ما وضعه مات فأخذ طائرا آخر وعندما استقرّ دبره على البثرة مات ، فما زال كلّما وضع دبر فرّوج على البثرة يموت حتى هلك عشرون طائرا من الفراريج ثم مات المريض . قال : وزعم هذا الطبيب أن ابنا له عولج هكذا فبرأ . وكان فتح اللّه بارعا في الطّبّ ، أهلا أن يقال فيه طبيب ، له في علم بقراط ما يجبر علم الكلّ فضلا عن البعض ، فسألته عن هذا العلاج ، فقال : لم أره في كتب الأطبّاء إلا أن الطّاعون يتكون من مادة سمّيّة فإذا وضع دبر الفرّوج عليه اجتذب بحرارته تلك السّمّية فمات . وسألته مرّة عن سبب كثرة ما يجد الإنسان من العطش في فصل الصيف مع أن الأجواف باردة لتفشّي الحرارة في سطوح الأجسام ، وكذا قلّة شرب الماء في فصل الشّتاء مع حرارة الباطن لغور الحرارة في جوف الإنسان ، وكان القياس غير ذلك فيشرب الماء في الشّتاء أكثر من شربه في الصّيف ، فأجاب : بأن الحرارة غريزية وغريبة ففي الشّتاء تغور الحرارة الغريزية إلى الباطن وفي الصّيف تتفشّى في ظاهر البدن ، ويحدث مع ذلك في الصّيف حرارة غريبة يملأ ظاهر الأجسام ضوء الشمس ، فلذلك يحصل التّلهّب المقتضي استدعاء الماء الكثير ، وكذا يكاشف البرد في سطوحات الأجسام يحدث لها مع غور الحرارة نفورا من برد الماء . ولقد أبدع رحمه اللّه فيما أجاب به ، وكنت قد ذاكرت بهذا السّؤال عدّة من الأطبّاء فما أغنوا . والرجل كان كثير الاطلاع مستحضر الأطراف من العلوم ، لا سيّما في آخر عمره فإنه واظب على مطالعة كتب الحديث والآثار وكتب اختلاف العلماء في الفروع والأصول ، وكان ممتّعا بحافظته بحيث إنه