المقريزي
98
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ما لم يعهد مثله إلا لملك مستبدّ إلى أن مات ضحوة نهار الخميس تاسع عشر رمضان سنة ثمان وثمان مائة ، ولم يكمل ثلاثين سنة من العمر . فشهد الأمراء بأجمعهم جنازته مشاة من داره ببركة الفيل إلى مصلى المؤمني تحت القلعة ، وهي مسافة بعيدة ، وعاين الناس عجبا من تجمّع النّاس من كلّ جهة لمشاهدة نعشه مع كثرة تأسّف الخاصّة والعامّة ، وانطلاق الألسن بالتّرحّم عليه والدّعاء له وكثرة البكاء . ونزل الناصر حتى صلّى عليه وحمل تابوته عندما رفع من المصلى ، وعزم على المضيّ إلى تربته لولا دخول الأمراء عليه وإلحافهم في السّؤال له أن يصعد إلى قلعته ، فتناوب الأمراء حمل تابوته إلى حيث دفن بظاهر باب المحروق ، وأدرّت الأرزاق على أولاده من بعده . وكان ، رحمه اللّه ، مليح الشكل ، ممشوق الزّي ، كثير الزّهو ، شديد الإعجاب ، مفضلا مهابا ، وافر الحرمة ، قائما في حظّ نفسه إلى الغاية ، لا يحب أن يشاركه في الرياسة أحد ، ولا يرضى لمن يناوئه بدون الهلاك ، مبسوط اليد بالعطاء ، باذلا للمعروف والصدقات ، قام في أيام المحن بمواراة الآلاف من الناس ، فتزايد حبّ الناس له . إلا أنّه على الحقيقة أحد الاثنين اللذين قاما بتخريب الدّنيا وطي بساط نعمة أهل مصر وزوال بهجتهم بما اعتمده من غلاء سعر الذهب حتى بلغ الدينار بعد أن كان بخمسة وعشرين درهما إلى مائتين وخمسين درهما ، فأقفر جوّ المسرات وانحطت رتب النّاس ، وصاروا إلى بؤس وقلّة وفقر ومسكنة . وقد أفردت في هذه المحن مقالة بيّنت فيها الأسباب التي نشأت عنها ، فاللّه يخفف عنه فلقد هلك بفعلته هذه من إقليم مصر أمم لا يحصي عدّها إلا خالقها ، كلّ ذلك لغرضه في تكثير ماله . أخبرني ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد العزيز ، قال : أخبرني شرف الدين محمد ابن الدماميني السّكندري محتسب القاهرة وناظر الجيش أنه ناله من مال محمود الأستادار أيام كان يباشر عنده خمسون ألف دينار ، ونال ابن غراب هذا سبع مائة ألف دينار . وهذا المال هو