المقريزي

99

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

الذي أوجب قيامه على محمود عند الظاهر لخوفه منه ، وبه تسوّر لمراقي العز كما تقدّم ؛ واتفق لي في مرضه عجب وهو أنّه لما أهلّ شهر رمضان سنة ثمان وثمان مائة حضر إليّ قوم للهناء بشهر الصوم ، فجلنا في فنون من الحديث ، إلى أن دار بيننا حديث ابن غراب ، وكان إذ ذاك مريضا قد طال مرضه وأرجف بموته غير مرّة ، فقلت : عندي أن هذا الرّجل لا يموت إلا في ليلة جمعة أو في ليلة قدر ، فإنّه وقع له من الحظّ ما لم ير مثله لأحد ، بحيث أخبرني مرة وأنا عنده في داره أنه سقطت منه في الفسقية التي كنت معه بجانبها شمعة وهي تقد ، فتناولها من الماء ولم تنطف ، فخشيت أن يكون هذا نهاية سعده وغاية حظه ؛ فو اللّه لقد عظم أمره بعد إخباره لي بذلك أضعاف ما كان . ومن تمام سعد هذا الرجل أن تكون منيّته سليمة وفي يوم شريف من شهر رمضان ليحوز سعادة المحيا والممات . فقال آخر ، وكان عنده علم من الطّب : أما أنا فالذي أراه أنّه لا يزال مريضا حتى يفرغ فصل الشتاء ، واستدل لذلك من جهة صناعته الطبية . فقال آخر ، وكان ينظر في النجوم : أنا آخذ طالع هذه المسألة وانظر له فعمل ما يقتضيه نظره وقال : هذا الرّجل يموت من هذا المرض عند احتراق المشتري . ومضى اليوم وما بعده فمات في أول فصل الربيع عند احتراق المشتري في يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان ، وصحّ حدس الثلاثة . وقد ورد : « من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة لم يعرض ولم يحاسب » خرّجه ابن عدي « 1 » ، وأحد ما قيل في ليلة القدر أنها ليلة التّاسع عشر من رمضان . فلقد كان شأنه ، رحمه اللّه ، كلّه عجبا . أخبرني عزيز مصر ،

--> ( 1 ) الكامل في ضعفاء المحدثين 7 / 2554 من حديث أنس ولفظه عنده : « من مات يوم الجمعة وقي عذاب القبر » . أما هذا اللفظ الذي ذكره فلم نجده في « الكامل » . وهو حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكل طرقه ضعيفة ، كما قال الإمام الترمذي حينما أورد مثله من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص في جامعه الكبير ( 1074 ) ، وينظر تعليق الدكتور بشار عواد معروف عليه .