المقريزي
558
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
أحد قطّ في لعب الشطرنج ، وكان يلعب به على الغائب مع اثنين ، وكان يلاعب تيمور بالشّطرنج الكبير ، ووضع شطرنجا مدوّرا وآخر مطاولا ، والشّيخ العريان عمّر ثلاث مائة سنة وخمسين سنة ، ولم ينحن ظهره ، ولا ظهر في وجهه تجعيد ولا تغيّر ، وكان أطلس لا لحية له ، وكان عمره هذا شائعا بين النّاس لا ينكره أحد لإخبار الجمهور عن آبائهم وأجدادهم أنهم رأوه من دهر وهم أطفال ، وهو رجل كبير . وكان بمسجد الرّباط ، وهو مسافة يوم عن مدينة سمرقند ، أسطوانة من خشب طولها خمسة عشر ذراعا وثخنها بحيث لا تلتقي يد الرجل إذا حضنها وهي ساق شجرة قطن ، وبها خاصّيّة عجيبة وهي إذا وضع منها قدر حبة على الضّرس الذي قد اشتدّ وجعه زال ، وقد جرّبوه مرارا عديدة . وأخبرني الأديب الفاضل شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد اللّه ابن عرب شاه جامع سيرة تيمور عن مولانا محمود الخوارزمي المعروف بالمحرّق أنه حكى له عن تيمور أنه قال له في مجلس خلوة : يا مولانا محمود انظر إلى ضعفي وقلّة حيلتي ، لا يد لي ولا رجل ، ولو رماني أحد لهلكت ولو تركني النّاس لارتبكت ، ثم تأمّل كيف سخّر اللّه تعالى لي العباد ويسّر لي فتح البلاد وملأ برعبي الخافقين ، وأطار هيبتي في المشارق والمغارب ، وأذلّ لي الملوك والجبابرة ، فهل هذا إلا منّه تعالى ؟ ثم بكى وأبكاني قال : وكان مع ذلك قد اشتدّت به الحمّى وهو ينظر إلى أصحابه وهم يحاصرون حصنا ويقتلون من فيه قتلا ذريعا . ومما قيل في تيمور بالفارسية ما معرّبه . قد أظهر قدرة بخافي حكمه * من ملك شقّا الدّنيا في قسمه لا كفّ له والملك في خاتمه * لا رجل له والبخت موطئ قدمه وكانت عساكره وجنوده قد سخّرت لهم الخبايا والدّفائن ، فإذا عبروا موضعا وفيه شيء من ذلك ، فكأنما يشير إليهم مشير إليه حتى