المقريزي

549

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

تكاد سوابق « 1 » تغني * عن الأقذار صونا وابتذالا وكان طويل القامة في غاية الطول كبير الجبهة ، عظيم الهامة ، شديد القوّة ، أبيض اللون مشربا بحمرة ، فخم الأطراف ، عريض الأكتاف ، غليظ الأصابع ، مستكمل البنية ، مسترسل اللّحية ، أشلّ اليد أعرج اليمنى ومن تتوقّد عيناه جهير الصّوت ، لا يهاب الموت . قد بلغ الثّمانين وهو ثابت الجأش قويّ البدن كأنه صخرة صمّاء . وكان لا يحبّ المزاح ، ويبغض الكذّاب ، ولا يميل إلى اللّهو ، ويعجبه الصّدق ولو كان فيه ما يسوؤه . وكان لا يأسى على ما يفوته ولا يفرح بما يجيئه . وكان نقش خاتمه « راستى رستي » ومعناه : صدقت نجوت ، وكان ميسم دوابّه وسكّته على الدّينار والدّرهم ثلاث حلق هكذا « 2 » . وكان لا يجري في مجلسه شيء من الكلام الفاحش ، ولا يذكر فيه سفك دم ، ولا سبي ، ولا نهب ، ولا غارة . وكان شجاعا مقداما مهابا مطاعا يحبّ الشّجعان ويقدّمهم . وكانت أفكاره وتدبيراته لا تكاد تخطئ ، وكانت له فراسات عجيبة ، وله سعد عظيم ، وحظّ سعيد ، وجدّ ، وبخت خارج عن الحدّ . وكان له عزم ثابت وفهم دقيق . وكان محجاجا ، جدلا ، سريع الإدراك ، ريّضا ، متيقّضا ، يفهم الرّمز ويدرك اللّمحة ، ولا يخفى عليه تلبيس ملبّس ، ولا يمشي عليه تدليس مدلّس . وكان يفرّق بفراسته بين المحقّ والمبطل ويدرك النّاصح له والغاش بدربته ودرايته حتى إن كان ليهدي النّجم الثّاقب بأفكاره ، ويستغني عن كلّ سهم صائب بفراسته . وكان إذا أمر بشيء أو أشار بشيء لم يردّ عنه بوجه من الوجوه ، وإذا عزم على أمر لا ينثني برأيه عنه لئلا ينسب إلى قلّة الثّبات وركّة الرأي ، فلذلك كان إذا قال قولا أو أشار إشارة نزل أصحابه بذلك منزلة النصّ القاطع .

--> ( 1 ) بيض المصنف بعد هذا ولم يعد إليه . ( 2 ) رسم الناسخ ثلاث دوائر على شكل مثلث رأسه إلى الأعلى .