المقريزي

550

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وكان يقال له : صاحب قران الأقاليم السبعة ، وقهرمان الماء والطين ، وقاهر الملوك والسلاطين . وكان مغرما بسماع التّواريخ وقصص الأنبياء عليهم السلام ، فتقرأ عليه باللّغة الفارسية سفرا وحضرا حتى صار لمعرفتها يردّ على القارئ إذا غلط فيها . وكان يحبّ العلم والعلماء ، ويقرّب السادة الأشراف ويدني منه أرباب الفضائل في العلوم والصّنائع ، ويقدّمهم على كلّ أحد ، وكان ينزل كلّ أحد منزلته ولا يعدّيه إلى غيرها . وكان انبساطه حين ينبسط بهيبة ووقار ، وكان يباحث أهل العلم ، فينصف في بحثه . وكان يحب أرباب الصنائع ، ويبغض بطبعه الشّعراء والمضحكين ويعتمد على أقوال الأطباء والمنجمين ويقرّبهم حتى أنه لا يتحرك حركة ولا يعمل عملا إلا باختيار فلكي فلذلك زعم أصحابه أنه لم تردّ له راية ولا انهزم له عسكر مدّة حياته . وكان يلازم اللعب بالشّطرنج ، ثم علت همّته عن الملاعبة بالشّطرنج الصغير وهو المتداول بين النّاس ، وصار يلعب بالشطرنج الكبير ورقعته عشرة في أحد عشر وتزيد قطعه على الصغير بحملين وزرافتين وطليعتين ودبّابتين ووزير ، وذلك أنّ الشطرنج الصغير الذي بأيدي الناس كلا شيء بالنسبة إلى الكبير . وكان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف شيئا من اللّغة العربية ، وإنّما يعرف اللغة الفارسية والتّركية والموغوليّة لا غير . وكان يعتمد على قواعد جنكز خان في جميع أموره ، كما هي عادة جقتاي وأهل الدّشت والخطا وتركستان بأسرهم ، فإنهم جميعهم إنّما يعملون بقواعد جنكز خان ويسمونها تورا ، والتّورا بلغة الموغول : المذهب . وكان فردا في معناه ، بعيد الغور ، لا يدرك لبحر فكره قعر ولا