المقريزي
545
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
بذلك البائس ما سبقت به شقوته ، ولم يسعه هدم الجامع لموافقته غرضه ، فأبقاه وأمر خواصّه وذويه أن يجمّعوا فيه ، فكانوا يزدحمون في الصّلاة فيه مع كبره ، وكان من عظماء الدولة اللّه داد ، فصلّى فيه يوما وكان من دهاة النّاس وأذكيائهم النّقّاد العارفين بطرق اللّؤم والمخازي ، فقال لبعض من يثق به سرّا وهو ينتظر الصّلاة بجانبه : ينبغي أن يلقّب هذا الجامع بجامع الحرام وتسمّى الصلاة فيه صلاة الخوف ، وينبغي أن ينشد فيه ويكتب في طرازه وينقش في جدره قول الشاعر : سمعتك تبني مسجدا من خيانة * وأنت بحمد اللّه غير موفّق كمطعمة الأيتام من كدّ فرجها * لك الويل لا تزني ولا تتصدّق وكان تيمور وهو ببلاد الرّوم يجول في فكره أخذ بلاد الصّين فبعث كما تقدّم إلى اللّه داد حتى كتب له صفات تلك البلاد ، فلما عرف أحوالها وبان له أعمالها ، جهّز إلى تلك النّواحي رؤوس دولته وعظمائها ، وهم بيردي بيك ، وتنكري بيردي ، وسعادات ، وإلياس خواجة ، ودولة تيمور على عدة كبيرة من العسكر ، ورسم أن يمضوا إلى اللّه داد بمدينة إشباره وأن يبنوا قلعة يسمونها باش خمرة بموضع على مسافة عشرة أيام من إشباره ، فساروا في أوائل سنة سبع وثماني مائة لذلك . وقصد بعمارة هذه القلعة أن تكون له معقلا يلجأ إليه إذا توجه إلى بلاد الخطا ، فوصلوا إلى حيث رسم لهم وبنوا القلعة حتى قاربوا إكمالها وإذا بمرسومه قد ورد عليهم أن يؤخّروا عملها ويرجعوا عنها فيغلقوا البلاد بالزّراعات من حدود سمرقند إلى مدينة إشباره التي هي آخر أعماله من حدود الصّين ، فتركوا عمارة القلعة وأخذوا في تحصيل الأبقار والبذر ، فما فرغوا من ذلك حتى انقضى فصل الصّيف ودخل الخريف ، فأخذ عند ذلك تيمور في الحركة إلى بلاد الصّين والخطا ، وكتب إلى عساكره أن يأخذوا الأهبة لمدة أربع سنين ، فاستعدّوا لذلك وأتوه من كلّ جهة ، فلما تكاملت عنده العساكر أمر فصنع له خمس مائة عجلة من خشب مضبّب بالحديد تحمل