المقريزي

546

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

أثقاله وجرّها ، ثم خرج من سمرقند في شهر رجب ، وقد اشتدّ البرد حتى نزل على سيحون ، وهو جامد فعبره ومرّ سائرا ، فأرسل اللّه تعالى عليه من عذابه جبالا من الثّلج التي لم يعهد مثلها في تلك البلاد كثرة مع زوابع شديدة ، فلم يبق أحد من عساكره حتى امتلأت آذانهم وعيونهم وخياشيمهم وآذان دوابّهم وأعينها وخياشيمها بالثّلج إلى أن كادت أرواحهم تذهب ، ثم اشتدّت تلك الرّياح وملأ الثّلج جميع الأراضي مع سعتها ، فهلكت البهائم من الجمال والخيول وجمد كثير من النّاس لشدّة البرد وتساقطوا عن خيولهم هلكا . وجاء بعقب هذا الثّلج والرّيح أمطار كالبحار وتيمور مع ذلك لا يرقّ لأحد ولا يبالي ما نزل بالناس بل يجدّ في السّير وكتب عند سفره إلى اللّه داد وهو بإشباره : أني قاتله ولا بد واقترح عليه مع هذا أيضا ( ما ) « 1 » لا يقدر عليها ، ليجعل عجزه عنها سببا لقتله ، فمنها أن يجهّز له خاصة سوى عسكره ، إقامة يوم واحد ، فيكفيه ومن معه وما معه بالزّاد والعلف ، وأن يهيئ له مائة حمل من الدّقيق ، وأنّ معه عساكر جرارة ، فيكفيهم بالأزواد والعلوفات . وقد علم أن الطّواحين في هذا الوقت معطّلة من جمود الماء ، فإنّه إنما يديرها الماء ، والماء لشدّة البرد جمد حتى في سيحون مع عظمه وشدّة جريانه ، فقام اللّه داد في ذلك وبذل فيه جهده ، فحشر النّاس من الأعمال إليه ، ووقف بهم ليله ونهاره لسوق الأنهار ، وقطع الجليد ورميه ، فكانوا إذا قطعوا الجليد من النّهر حتى يظهر لهم الماء هبّ نسيم بارد فجمّد ما ظهر من الماء إلى أن أعياهم ذلك ، وتيقّن أنّه هالك ولا بد ، فأيس من حياته لأنّه بلغه ما وشي به إلى تيمور من أنّه أخذ أموال دمشق وعلمه بشدة بطش تيمور إذا غضب . ووصل إليه خبر محمد جلد وكيف كانت عقوبته له مع صغر جرمه ، فاشتدّ همّه وعظم قلقه إلى أن بقي تيمور منه نحو عشرة أيام وقد تقطعت الدّروب من شدّة البرد الخارج عن الحدّ وكثرة الثّلج الزّائد على

--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين إضافة لا بد منها ليستقيم النص .