المقريزي

544

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

من أعجب ما فيه ، وكلّه عجب ، أن يجتمع هذا العالم الذي لو تكلّف الحسّاب إحصاءهم لعجزوا ، ثم لا يتخاصم فيه اثنان مع تباين أجناسهم « 1 » وتباعد أوطانهم « 2 » ، كلّ ذلك لعظم مهابة تيمور وقوة حرمته ووقوف رعيّته بأسرها عند أمره ونهيه لتمكن طاعتهم خوف سطوته . وكان قد رأى وهو ببلاد الهند جامع مدينة دله ، وهو مبنيّ بالرّخام الأبيض ، فأعجبه وأحب أن يبني بسمرقند نظيره فعين له موضعا وقطع له أحجار المرمر ، وندب لعمله محمد جلد أحد المباشرين بالدّيوان ، فاجتهد في بنائه حتى تمّ ، وعمل له أربع مآذن ، وتأنّق في تحسينه وفي ظنّه أنّ أحدا لا يقدر على عمله ، وأنّه يحظى بذلك عند تيمور وترتفع منزلته ، وكان كلّ أحد يقدّر ذلك ، فلما كمل وجاء تيمور لمشاهدته ، فما إلا أن وقع بصره عليه من خارجه أمر بمحمد جلد ، فألقي على وجهه وربطت رجلاه وجرّ وسحب على وجهه حتى تقطّع قطعا عديدة ، وأخذ جميع ماله وأولاده وأهله فقتلهم ، وسبب ذلك أنّ الملكة الكبرى امرأة تيمور بنت مدرسة تجاه هذا الجامع ، فجاءت حيطانها أعلى من الجامع ، وكان تيمور في طباع النّمر والأسد ما تكبّر عليه أحد في حالة من الحالات إلا وأتلفه شدّة بطشه وعسفه ، فعند ما شاهد علو المدرسة على جامعه غلب عليه طباعه من قوة الغضب وسرعة الانتقام وشدّة البطش ، حتى أوقع

--> ( 1 ) جاء في الحاشية تعليق نصه : « ويمكن أن يكون عدم مخاصمتهم لتباين أجناسهم ، لأنّ المخاصمة لا تكون إلا بسبب العداوة ، والعداوة لا تكون إلا بعد المعرفة التامة ، فإذا لم تكن المعرفة لم تكن العداوة ؛ فتباين أجناسهم يكون سببا لعدم تخاصمهم ، وعلى كل حال هذا الأمر من أعجب العجائب » حرره الفقير مالكه الحقير . ( 2 ) جاء في الحاشية تعليق آخر نصه : « سيما إذا كانوا مرخّصين بشرب أم الخبائث غاية الرخصة ليكون عدم تخاصمهم أعجب الأعاجيب . حرره الفقير مالكه : محمد أمين السابقي » .