المقريزي

536

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

ويحضر عندي خيوله ورجاله وسلاحه وأولاده وأتباعه ، حتى انظر في قدر ما يحتاج إليه فأعين له كفايته ، ومن كان منكم له حاجة أو رغبة في شيء أو ضرورة ، فليبد ذلك لي حتى أبلّغه أغراضه وأقضي ضروراته كلّها . فازدادوا بذلك فرحا وعظم ركونهم إليه وهم لا يشعرون ، ثم قال لهم : أول ما تبدءون به أن تعرضوا عليّ سلاحكم جميعه حتى أكمل ما يحتاج إليه وأصلح ما وهي منه ، فبادروا إلى ذلك ، وأتوه بجميع ما لهم من السّلاح وطرحوه بين يديه حتى صار كالجبل العظيم ، فلما علم أنّه لم يبق بأيديهم شيء من السّلاح أمر كل من عنده أحد من التّبار المذكورين أن يقبض عليه ، فللحال قبض أصحابه على جميع من عندهم من التّبار وأوثقوهم ، وقد رفع سلاحهم الذي أحضروه إلى زرد خاناته ورحل سريعا . وقد قيل : إنّ أبا يزيد بن عثمان كان أوصاه قبل موته ألا يقتل رجال الرّوم وألا يخرب بلاد الرّوم ، وأن يخرج التّبار من أرض الروم ، فلم يقبل من وصيته إلا إخراج التّبار فقط لموافقة ذلك غرضه . فلما رحل تيمور كان لا يمر بقرية ولا يدخل مدينة إلا خرّبها ونهب ما فيها وسبى نساؤها وأولادها حتى نزل أرزنجان ، فخلع على عثمان قرايلوك وأقرّه على ولايته ، وسار إلى بلاد الكرج وهي ذات قلاع وفيها مدينة تفليس ومدينة طرابزون ومدينة آب خاص وهي تخت ملكهم ، فامتنعت عليه هذه المواضع ، وأقام على حصارها ونزل على مغارة في جبل بابها في وسط جرف شاهق لا حكم للمنجنيق على سقفها ، وهي في غاية الارتفاع والعلو عن الأرض ، ومدخلها خفيّ جدا ، فلما أعياه أمرها صنع توابيت على هيئة الدّبابات معلّقة بسلاسل الحديد ، وملأها رجالا مسلّحين ، ثم أدلاها من أعلى الجبل حتى حاذت المغارة ، فرموا من فيها بالسّهام ومكاحل النّفط وناوشوهم بالكلاليب ، وهم في المغارة يدافعوهم عن دخولها إلى أن وثب واحد من التّوابيت يقال له : لهراسب وملك باب المغارة وقاتل أهلها حتى أدخل رفقته إليه ، فملكوها وما فيها .