المقريزي
537
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ونزل على قلعة شاهقة منيعة يقال ( لها ) « 1 » : كل كورقيب ، ومعناه تعال انظر وارجع ، كأنّه يقول : إنّ الوافد عليها لا يناله منها سوى نظرة إليها وهي مبنية على قلّة جبل وطريقها عسر ، وبعد مشقة زائدة ينتهي السالك فيها إلى جرف مقطوع بينه وبين باب الحصن جسر إذا رفع لا يمكن الوصول إليها بوجه ، وليس بقرب هذه القلعة موضع ينزل فيه ، وإنّما حواليها جروف وهضاب وعقاب ، فنصب تيمور خيمته بحيث يراها ويسمع كلام من فيها ، ووصل بحصارها جماعة ، فصار أهل القلعة يرفعون الجسر بالنّهار فيكون حظّ أصحاب تيمور منها مجرّد النّظر فقط من غير أن يقدروا منها على شيء ولا تصل سهامهم إليها ، فيظلون نهارهم كذلك ، ثم يرجعون إلى خيامهم بالليل ، فيضع عند رجوعهم النّصارى أهل القلعة الجسر وينصرفون في حوائجهم . وكان في عسكر تيمور شابان يتحاربان دائما في ميدان الشجاعة ، فاتفق أنّ أحدهما صادف علجا من علوج الكرج معروفا بينهم بالفروسية والشّجاعة وله جثّة عظيمة وقد طويل ، فقاتله وقتله وأتى به إلى تيمور ، فأعجب به ورفع منزلته ، فامتعض صاحبه لذلك وأحبّ أن يضاهية في فعله ، واسمه بير محمد ويعرف بقنبر ، فرصد جسر القلعة وتسلّق من مكان صعب ومشى من ضيقه على بطنه ، ثم وثب عند أخذهم في رفع الجسر ، فقطع حباله ، فلم يتمكنوا من رفعه وصار باب القلعة مفتوحا ، وهو يرميهم وهم يرمونه بالسّهام والأحجار وهو لا يردّ ولا يلتفت عنهم حتى ارتفع النّهار ، فرأى تيمور من خيمته على بعد وهو وإياهم يتواثبون على باب القلعة ولا علم له بما صنع قنبر ، فبعث لكشف الخبر جماعة ، فإذا بقنبر يعارك النّصارى وقد عجزوا عن رفع الجسر وولوا يدبّرون الدّخول إلى الحصن ، فزاحم قنبر ودخل معهم ومنعهم من غلق الباب ، وهم يدقونه بسيوفهم دقّا وهو يدافعهم إلى أن أدركوه وهو بآخر رمق ، فخلّصوه من أيديهم واقتحموا
--> ( 1 ) إضافة منا لا بد منها .