المقريزي

508

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

معتقد يقصده النّاس للتبرك به وبدعائه يقال ( له ) « 1 » : الشيخ شمس الدّين الفاخوري ، فعمد تيمور إلى ثوب له من قطن لا ثوب له سواه ، فباعه واشترى به شاة من المعز ودخل بها إلى الشّيخ وقدّمها له ، وكان في وظيفة الذّكر هو وفقراؤه ، فوقف تيمور على قدميه حتى فرغوا من الذّكر ، ثم تقدّم وقبّل يدي الشّيخ ورجليه يسأله الدّعاء ، فأطرق الشيخ ساعة ثم رفع رأسه وقال للفقراء : قد قصدنا هذا الرّجل في طلب ما لا يساوي عند اللّه تعالى جناح بعوضة فأمدّوه بالدّعاء ، ودعا له وأمّن الجماعة على دعائه ، ثم انصرف عنه تيمور ، فكان يقول دائما : جميع ما نلته من السّلطنة وفتحته من البلاد إنما هو بدعوة الشيخ شمس الدّين الفاخوري وبهمة الشيخ زين الدّين أبي بكر الخوافي ، وما لقيت بركة إلا بالسيّد بركة . واتفق أنّه تاه في بعض تحرّماته عن الطّريق حتى كاد يهلك جوعا وعطشا مدة سبعة أيام ، فوقع بعد هذه المدة على خيل السّلطان حسين حاكم بلخ ، فأنزله الجشّاري « 2 » وأطعمه وسقاه ، وكان لتيمور معرفة تامّة في الخيل ، فأعجب به الجشّاري وصحبه مدة ، ثم بعث بخيول إلى السّلطان ، فعرّفه به ، فأنعم عليه وأعاده إلى الجشّاري ، فلم يزل عنده حتى مات ، فولّاه السّلطان عوضه على جشاره ، ثم ترقّى من ذلك حتى عظم وتزوج أخت السّلطان ، فاتفق أنّها غاضبته ذات ليلة ، فعيّرته بما كان عليه من سوء الحال ، فقتلها وخرج هاربا وأظهر العصيان على السّلطان حتى استولى على ما وراء النّهر ، وتزوج بنات الملوك ، فزيد في ألقابه كوركان ومعناه عند المغل : الصّهر ، فصار يقال له : تيمور كوركان ، أي صهر الملك ، ولم يزل من صغره لبيبا حازما متراميا على طلب المعالي حتى يقال : إنّه كان يقول في صغره لأولاد الوزراء والأمراء : إنّ جدّتي رأت مناما تعبيره : أنّه لا بدّ أن يظهر من ذرّيتها من يدوّخ البلاد ويملك

--> ( 1 ) إضافة لا بد منها . ( 2 ) الجشاري : صاحب الموضع الذي ترعى فيه الخيول .