المقريزي

509

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

الأرض وهو صاحب القرآن ، وهو أنا ، وقد قرب الوقت ، فعاهدوني على القيام معي ، فيحبّوه ويعاهدوه على ذلك ، وهم يسخرون به ، وما زال يكثر من هذا الكلام وشبهه حتى اشتهر عنه ذلك بين النّاس وتناقلوه إلى أن بلغ السّلطان ، فعزم على قتله ، وبلغه ذلك ، فخرج هاربا وصار ينتقل من قوم إلى قوم ، فإذا نزل بقوم يستضيفهم سأل الذي أضافه عن اسمه واسم أبيه وشهرته ، ثم يقول له : أنا أستولي على الممالك ، فإذا سمعت بي فأتني بعلامة كذا وأمارة كذا ، فإني أكافئك ، فلما انتشر ذكره وشاع خبره جاءه النّاس من كلّ جهة بالأمارات والعلائم الذي ذكرها لهم ، فوفّى لهم بما وعدهم به ، وأنزل كلّ أحد منهم منزلته التي تليق به . وكان ابتداء أمره وخروجه بعد سنة ستين وسبع مائة ، وأنّه قتل السّلطان حسينا في شعبان سنة إحدى وسبعين ، ومن حينئذ استقل بالملك حتى مات مدة ست وثلاثين سنة . وكان ابتداء تحرّمه هو وأصحابه لما خرج لذلك في بلاد ما وراء النّهر ، ثم تنبّه النّاس له ، فهرب وقطع جيحون يريد بلاد خراسان ، فتحرّم هناك ، ولزم نواحي سجستان ومفاوز باورد وماخان مدّة يخيف بها السّبيل ويقطع الطّريق على من يصدفه ، فقصد في بعض الليالي حائطا من حوائط سجستان ، وقد اشتدّ به وبأصحابه الجوع ، فأخذ رأسا من غنم ، فرماه الراعي بسهم كما تقدّم ، حتى بطل نصفه ، ثم أدركه وقبض عليه وحمله إلى السّلطان حسين صاحب هراة ، فضربه وأمر بصلبه بعد قتله ، فشفع فيه ولده غياث الدّين ، فعفى عنه ، وأخذه غياث الدّين وضمّه إليه وداواه حتى برئ من جراحته ولزم خدمته ، حتى ارتفعت درجته ، وبعثه السّلطان على جيش لمحاربة نائب السّلطان بسجستان ، فحاربه وقبض عليه واستخلص الأموال واستخدم عسكرا ومضى بهم إلى ما وراء النّهر ، وقيل : بل استمر في خدمة غياث الدّين حتى مات أبوه وملك بعده ، ففرّ منه ، فبعث في طلبه الخيل حتى وصل بمن معه إلى جيحون وهو في قوة زيادته ، فمن شدّة خوفه أقتحم هو ومن معه النّهر بخيولهم ، وقطعوه سبحا ، وأقاموا هنالك