المقريزي

478

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وفي جمادى الآخرة رسم بشراء ثلاثين ألف أردب قمح لتخزن حتى تباع على العادة . وابتيع للسّلطان بالإسكندرية ألف حمل فلفل بمائة دينار الحمل وقيمته دون ذلك بكثير ، ورسم بتجديد حفر خليج الإسكندرية ، فحفر بمال جبي من الأعمال . وفي رجب حلّ بالناس في ليلة إدارة المحمل ، وفي يوم إدارته من المماليك السّلطانية بلاء عظيم ، وفعلوا بالحرم والصّبيان ما لا يجوز ذكره ، فكان إدارة المحمل معروفا وإعانة على إقامة شعائر اللّه ، فصار في هذه الدّولة الأشرفية من أنكر المنكرات وأفجر الفجور ، وكذلك تفاقم شرّ المماليك في ليالي شهر رمضان من كثرة عبثهم وفسادهم . وفي المحرم سنة إحدى وأربعين نهب المماليك السّلطانية بيت القاضي عبد الباسط وبيت الأستادار وبيت الوزير . وفي شهر ربيع الآخر كملت عمارة الجامع الذي أنشأه السّلطان بظاهر خانكاه سرياقوس . وفي جمادى الأولى قدم رأس جانبك الصّوفي ، وقد حاربه محمد ومحمود ابنا قرايلك وأخذاه ، وقد جرح فمات عندهم ، فكاد السّلطان يطير فرحا . فأجرى اللّه على ألسنة كثير من الناس أنه قد تمّ أمره وبدى زواله ، فكان كذلك وذلك أنه بطر النّعمة ، وقابل هذا الفضل العظيم من كفاية اللّه له أمر عدوّه وقتله من غير تعب ولا إخراج مال بأن زاد عتوّه وظلمه ومقته للناس ، فأتاه اللّه من حيث لا يحتسب ، وأراه أعماله حسرات عليه ، فسقطت شهوته للغذاء ، وضعف بدنه وهو يتجلّد ، ومماليكه تجرّع النّاس الغصص لا سيما في ليلة إدارة المحمل في شهر رجب وفي يوم إدارته ، فإنّهم أرادوا نهب المدينة وأخذ النّساء والصّبيان سبيا ، فتجمّع العبيد السّود وقاتلوهم ، فقتل من العبيد خمسة ، وجرح كثير من المماليك بعد ما أخذ للناس شيء كثير ، وامتدّت هذه الفتنة بينهم وبين العبيد أياما قتل فيها طائفة .