المقريزي
479
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
وخرجت ثمانية أمراء إلى بلاد الشّام ، ومقدّمهم الأمير قرقماس الشّعباني أمير سلاح لأخذ حمزة باك بن قرايلك صاحب ماردين ، وظهر أمر اللّه في السّلطان من ليلة الثامن عشر من شهر رجب المذكور ولزم الفراش مريضا ، فلم يزل مرضه يتزايد وقواه تنحط ومصائبه في نفسه وبدنه وأولاده وجواريه وطواشيته وحظاياه ومماليكه تتجدّد ، وهو يتجلّد ، فتارة يركب ووجهه مصفرّ وسحنته تنبئ مما هو فيه من المرض ، وتارة يعجز فينحطّ ويلازم الفراش ، وهو مع ذلك يستعجل العافية ويغالب القدر ، ويتمادى فيما هو فيه من أخذ المال بكلّ وجه ، ومقت الرّعية بما تصل قدرته إليه حتى مات في عصر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين ، وقد قارب السّبعين أو بلغها . وقد عمّ ظلمه الرّجال والنّساء مسلمهم وذمّيهم ؛ وذلك أنّه لمّا طبق الوباء الأرض ، فعمّ ديار بكر وجميع بلاد الشام بأسرها ، ووقع بالقاهرة ومصر وشنع بقلعة الجبل في المماليك السّلطانية سكان الطّباق ، وفي جواري السّلطان وطواشيه ، كثر وهمه فسأل من حضره من الفقهاء والقضاة يوم ختم قراءة « صحيح البخاري » في أخريات شهر رمضان عن الذّنوب التي إذا ارتكبها النّاس عوقبوا بالطّاعون ، فذكر بعضهم أنّ الطّاعون عقوبة الزّنا ، وأتبع ذلك على أنّ النّساء يمشين في الأسواق متزينات ، فأشار آخر بمنعهن من الخروج من بيوتهن ، فظنّ السّلطان أنه إذا فعل ذلك ارتفع الوباء ، فمنعهن وتشدّد في ذلك ، فامتنعن حتى لم ير بشوارع القاهرة امرأة ، فنزل بالأرامل وذوات الأسباب ومن لا قيّم لها ومن تطوف تسأل الناس بلاء كبير ، وتعطّلت الأسواق لبوار عدّة بضائع لا تنفق إلا على النّساء . وأخرج السّلطان مع ذلك جميع من في الحبوس ، وأمر بإغلاقها ، فأغلقت وانسابت السّرّاق والزّعار وقطّاع الطريق في البلد وضواحيه تعبث وتسرق ، وامتنع من له دين على أحد أن يطالبه ، فضاعت بذلك حقوق كثيرة ، وتعطّلت مصالح عديدة ، وأقام دولات خجا محتسبا لأنّه عنده ليس بمسلم ولا يخاف اللّه ، فبطش في النّاس بطش الجبّارين . وأقام