المقريزي

451

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

عادلا غازيا مهابا إلى الغاية ، كريما محبا لأهل العلم وأهل الصّلاح ، كثير المال بحيث يبلغنا عنه من ذلك ما يستحيا من حكايته . أخبرني الشيخ حسام الدّين حسن بن عليّ الكجكني رحمه اللّه ، أنه دخل معه الحمّام لما توجه في الرسالة ، فإذا الحوض الذي يغتسل منه جميعه من الفضة . وأخبرني الطبيب الفاضل شمس الدّين محمد بن الصّغير ، وكان قد بعث به السّلطان الملك الظاهر إليه ، أنّ أبا يزيد غزا الأفلاق وأخذهم فوجد أعتاب أبوابهم وسكفاتها من فضة ، وذلك أنّ معدن الفضة عندهم . قال : فرجع العسكر ومعهم من الفضة شيء لا يكاد ينحصر كثرة . وأخبرني الأمير حسام الدّين أن أبا يزيد يجلس في غالب الأيام بكرة النّهار في براح متّسع ، وتقف الناس على بعد منه بحيث يراهم ، فمن كانت له ظلامة رفعها إليه . وأنّ رجلا شكا إليه مرّة رجلا أنه فرّق بين نسائه ومرّ بينهنّ ، وقد توجّهن إلى الحمّام ، فأمر به فشنق ، يريد بذلك ألا يتعرض أحد لحريم أحد . هذا وله موضع يعرف بالبازار ، معدّ لبيع الخمر ووقوف البغايا والأحداث ، لا ينكر على أحد ما يفعل فيه ، وأنما الإنكار على التعرّض للحريم الصّيّنات . قال : ووقف له مرة رجل يشكو بعض العسكر أنه مرّ بفرسه في زرعه ، فأمر به فشنق ، يريد بذلك ألا يتعرض أحد لمال أحد ، بحيث كان يوجد الحمل من البضائع مطروحا في البرية ولا يتجاسر أحد على أخذه . وكان أقصى ما يطلب من الإنسان ألا يخون ، وما شاء من الشهوات فعل من غير إنكار عليه ، فإنّ الزنا واللّياطة وشرب الخمر وأكل الحشيشة عندهم فاش ظاهر . غير أنّ من عرف عندهم بدين أو علم بالغوا في إكرامه وتعظيمه . وأخبرني الأمير حسام الدّين أنّ أبا يزيد إذا جلس في مجلس ملكه ، قدّم إليه بعض وزرائه صحنا من ذهب فيه هندام لحم فيأكل منه حاجته ،