المقريزي
452
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ثم يتناول منديلا من حياصته ويمسح به يديه وفمه ، ثم تفرّق اللّحوم في العساكر . وأنه قدّمت له مرة بقرة قد شويت بعد سلخها على الجوكه كما هي من غير أن تقطع فكانت من ألذّ ما أكل . وأنه أراه آلة إذا مضى من النهار أو اللّيل ساعة ، انفتح باب وسقطت منه بندقة من حديد ، وإذا كان عند طلوع الفجر أو غروب الشمس انفتح باب وخرجت جوقة مغاني ترن ، وأنّه يوجد في ظاهر برصا وجبالها من شجر التّين وكروم الأعناب وأشجار الفواكه شيء كثير غير مملوك لأحد يعيش فيه الفقراء . وأخبرني الطبيب شمس الدّين أنّ برصا هيئة بستان كبير فيه بيوت من الخشب ، وأنّ السّعر بها رخيص فيباع لحم الضأن ستة أرطال بدرهم . وكانت عادة أبي يزيد ألا يتعرض لأموال أحد من رعيته ، فمن مات ولا وارث له يتولّى القاضي أمر ما خلّفه . ولا يؤخذ من التجار في جميع مملكته مكس البتة ، وأنّ من خرج معه لغزو وكسب ما عسى أن يكسب لا يتعرّض لأخذ شيء منه . وكان إذا خرج إلى غزو خرج معه النّاس على اختلاف طبقاتهم من العامة والباعة ونحوهم ، فلذلك كانت جموعه كثيرة . ويوجد في جميع مملكته التكايات في كل بلد ، وهي بيوت معدة للواردين ، يوجد بها من اللّحم والطّعام والخبز ما يقوم بحال الوارد مدة إقامته ، واحدتها تكية . وبالجملة فكانت محاسنه كثيرة . وقام من بعده لمملكة برصا ابنه الأمير سلمان ، وجرى على عادة آبائه ، وذلك أنه ترك من الأولاد عيسى ومصطفى وموسى ومحمد وسلمان وهو أكبرهم ، فطلب كلّ واحد منهم ناحية في طائفة معه من عسكر أبيه ، فكان محمد وموسى بقلعة أماسية ويقال لها خرشنة . ثم إنّ سلمان قتل فيما بعد أخاه عيسى ، فقتل موسى سلمان ، وقتل محمد موسى ، ثم مات محمد في أوائل سنة أربع وعشرين وثماني مائة . وأما مصطفى فإنه فقد ، فقتل بسببه جماعة ، ولم يعرف له خبر .