المقريزي
435
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
أحدا خدع تيمور فانخدع له إلا إيدكو هذا . وما زال إيدكو حتى نزل بقومه واستعدّ لقتال توقتاميش ، وسار إليه ، فكانت بينهما خمس عشرة وقعة حتى ضعف توقتاميش ؛ وذلك أن معظم عسكره سار مع تيمور ، وانحازت عنه جماعة كثيرة يقال لها قرابوغدان ، ومضوا بأجمعهم إلى بلاد الروم والرّوس ، وخامر عليه أحد رؤوس الميمنة ، ومعه قبيلته آقتاو ، فمضوا إلى بلاد الرّوم ، ونزلوا أدرنة . وبهذه الأسباب خربت الدّشت وخلت بعد تلك العمارة حتى صارت قفارا حتى لو سلكها الآن أحد بغير دليل لهلك ، فإنها في الصّيف تسفي الرياح تلك الرّمال العظيمة حتى تخفي الطّرق على المارّ ، وفي الشتاء تتراكم بها الثلوج حتى تغطيها بأسرها لأن جميع أرضها مهامه « 1 » . ثم لما كانت الوقعة الخامسة عشرة غلب فيها توقتاميش وانهزم إيدكو وتشتتت جموعه ، وغرق هو ونحو خمس مائة من أخصائه في تلك الرّمال ، فلم يوقف له على خبر ، واستبدّ توقتاميش بالملك ، وصفا له دشت بركة ، وهو مع ذلك يبالغ في الفحص والتفتيش عن إيدكو مدة ستة أشهر حتى أيس منه ، وغلب على ظنه أنه هلك . هذا وإيدكو يجول في تلك الرّمال التي في شمالي الدّشت ، ومن عظمها يتيه فيها طير السماء ووحش الفلا ، لأنه لا تدرك لها غاية ، ولا يمكن سلوك مواضع كثيرة منها ، فإنّه من وقف بها غرق في الرّمل حتى يغيب في نزوله بقاعه وأسفله وغوصه في تخومه . فما زال إيدكو بهذه الرمال ويبعث من يكشف له عن أحوال الخان رجاء أن يجد فرصة للوثوب به حتى بلغه أنه قد انفرد عن عسكره وجماعته في متنزّه له ، فلم يشعر توقتاميش إلا وإيدكو قد هجم عليه بغتة ، فثار إليه وقاتله ساعة ، ثم تكاثروا عليه فقتلوه . وهذه هي الوقعة السادسة عشرة مع إيدكو .
--> ( 1 ) أي : صحارى .