المقريزي
304
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
السّعداء واشتهر ذكره . وكان يلبغا السّالمي قد تحرّك حظّه ، وله بأحمد هذا معرفة من صفد ، وفي نفسه منه وهم أنه رجل صالح ، فأوصله بالسّلطان بعد ما ربّاه « 1 » عنده وملأ قلبه من إجلاله وتعظيمه ، فأجلّ السّلطان مقدمه ، وأكرمه . واستدناه وكان قلبه مشغولا بأمر منطاش ، فأخذ يجاريه في ذكره ، فصادف منه ما أعجب به ، فولاه خطابة جامع بني أمية بدمشق ، وخلع عليه ، فتوجه إليها وباشرها ، وكاتب السّلطان بما ندبه إليه إلى أن قدم السلطان دمشق في سنة ثلاث وتسعين ، ولّاه قضاء القضاة بدمشق في يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة بعد تمنّع زائد ، فباشر القضاء بفخامة وضخامة ، وإرعاد وإبراق ، ودعاوى في الكشف والصّلاح ، ورؤية المنامات تخرج عن الحدّ في الكثرة ، فمجّته الأنفس وانطلقت الألسنة بالإنكار عليه ورميه بالعظائم فعزل في ( رجب سنة ستّ وتسعين ) « 2 » وسجن مدّة . ثم أفرج عنه ولزم بيته زمانا . ثم ولي خطابة القدس ، فشنأه أهل البلد ، وجرت له ولهم خطوب آلت إلى رجمه وإخراجه ، فأقام بدمشق . ثم ولّاه السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق قضاء دمشق بسفارة الأمير جمال الدين يوسف الأستادار في سابع عشري صفر سنة اثنتي عشرة ، فباشر القضاء أحسن مباشرة من العفة والنزّاهة والمداراة وإقامة الحرمة والقوة في إمضاء الأحكام ، والثبات في الأمر ، ثم صرف ، وأبقيت له وظائف إلى أن أقيم الخليفة المستعين باللّه ، وخلع الناصر بعد هزيمته على اللّجون ثم ولي الباعوني قضاء القضاة بديار مصر من قبل الخليفة عوضا عن قاضي القضاة جلال الدّين عبد الرحمن ابن البلقيني . وكان الناصر قد ألزمه بالإقامة في جامع بني أمية ، وذلك في سابع عشري المحرم سنة خمس عشرة ، وولّى معه الشّهاب أحمد ابن الحسباني قضاء القضاة بدمشق عوضا عن الإخنائي .
--> ( 1 ) رباه : زكاه . ( 2 ) ما بين الحاصرتين إضافة من تاريخ ابن قاضي شهبة لا بد منها .