المقريزي
305
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فأثبتا المحضر المكتتب على الملك النّاصر بالعظائم الشنيعة التي نسبت إليه ، ثم عزل الخليفة الباعونيّ وأعاد الجلال ابن البلقيني في سادس عشري صفر ، فلزم داره حتى مات في رابع المحرم سنة ست عشرة وثماني مائة . وكان رجلا طوالا مهابا ، عليه خفر ، وله منطق فصيح ، وعبارة عذبة ، وقدرة على سرعة النظم وارتجال الخطب ، مع جميل المحاضرة وحسن المذاكرة ، وكثرة الفوائد ، وسرعة البكاء خشية وخشوعا عندما يذاكر بالمواعظ ، مع العفة عن التدنّس بشيء من الفواحش ، والصّيانة من تناول مال الأوقاف بغير حقّ ، وأخذ البراطيل ، إلا أنه شديد الإعجاب بنفسه ، وثابت في أمره ، لا يتزحزح عما يقوم فيه ، ولا يقبل في ولايته رسالة أمير ولا كبير ، ولا يحابي في أحكامه أحدا ، فكثر لذلك حساده وعداه ، وكثرت شناعاتهم عليه بما ليس فيه ؛ فلقد صحبني بدمشق ، وقلّ يوم لا يأتيني فيه ، وكثر اجتماعنا ، فلم أر فيه ما أنكره عليه سوى طلبه الوظائف وسعيه فيها ، مع أنه صاحب عيال ، وليس له مال . وكنت أريد منه أن يتخلى عن السعي ليكون قوله وفعله متوافقين ، فإنّه كان يتكلم في أكثر مجالسه بكلام الزّهّاد ، ويخالف ذلك بسعيه إلى أبواب الأمراء وأعيان الدّولة وذوي الجاهات ، ويطلب الوظائف ، وأي الرّجال المهذّب « 1 » وبالجملة فلقد كان ، واللّه أعلم ، خيرا ممن يتكلّم فيه ؛ فلقد خبرت القوم وعرفتهم . أخبرني رحمه اللّه ، قال : أخبرني العارف المعمّر جمال الدين يوسف الإمام الصفدي ، قال : كان سيدي محمد الخالدي كثير القبض ، لا يرى منبسطا ، فبينا هو ذات يوم في الخلوة ، وقد استحكم عليه القبض إذ سمع قائلا من جانب الخلوة يسمع صوته ولا يرى شخصه يقول : ادن مني ولا تخافنّ هجري * ليس يخشى الخليل هجر الخليل
--> ( 1 ) تضمين لقول النابغة الذّبياني من قصيدته التي يخاطب بها النعمان ( ديوانه 56 ) .