المقريزي
245
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فملكها منه أبو العبّاس ، واختفى أبو زيد يوما وليلة ، ثم ظهر ليلا ، وطرق أبا العبّاس وقبض عليه وأدلاه إلى الجبّ ، ثم رفعه من ساعته وعرّفه قدرته عليه ، ثم سلّمه البلد وخرج عنها سحر ليلته إلى تونس ، فملك أبو العبّاس قسنطينة في سنة اثنتين وستين وأضاف إليها بعد ذلك بجاية . ثم قتل ابن عمّه أبا عبد اللّه محمد بن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر ، وتنكّر على عمّه السّلطان أبي إسحاق إبراهيم بن أبي بكر ، وخرج عليه ، وجمع لحربه وسار إلى تونس ، فلم يظفر بطائل وعاد إلى قسنطينة وأقام بها حتى مات عمّه وقام من بعده ابنه السلطان أبو البقاء خالد بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي بكر ، فنابذه أبو العبّاس وحشد لمحاربته ، ونزل على تونس في يوم الجمعة سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وسبع مائة وحصرها ، فمال إليه العامة وأمكنوه من المدينة حتى دخلها من يومه ، فنهبتها عساكره ثلاثة أيام واستبدّ بالملك من غير منازع مدّة أربع وعشرين سنة وثلاثة أشهر ونصف ، حتى مات وله من العمر سبعون سنة في ليلة الخميس الرابع من شعبان سنة ست وتسعين وسبع مائة . وكان ملكا حازما عارفا بأمور المملكة ، له عناية بذوي الأحساب وأرباب البيوتات ، لا يزال يكرمهم ويراعي أحوالهم . وكان صاحب شارة وفخامة وضبط وإمساك عن العطاء إلا فيما لا بدّ منه ، مع العبادة والنّسك . وكان يحافظ على المفروضات ، ويصوم مع شهر رمضان شهري رجب وشعبان ، ويقوم من آخر الليل دائما فيصلي ما كتب له ، ويقرأ القرآن ظاهرا ، ويبالغ في إكرام آل البيت النّبوي ، ويحبّهم ويعتني بهم . وكان شجاعا بطلا مقداما صاحب جدّ بعيد من الهزل ، كثير الفكر ، شديد الحذر . وله معرفة بالحيل والمكائد ، وفيه سكون ودعة وتؤدة ، ورفق من غير عجلة . وكان يكره سفك الدماء ، ويعاقب على الجرائم بطول السّجن . وملك عدّة بلاد قاصية ، وأخذ جماعات من الأعيان وسجنهم ، فملك قسطيلية التي تعرف بأرض الجريد ، وعدّة ممالك بعد حروب مبيرة ؛ فخرج في سنة ستّ وسبعين ، وحارب الأمير منصور بن