المقريزي
184
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
سنة تسع وسبعين وسبع مائة ، وكان قد قتل الأشرف وتغلّب المماليك على الأمر ، فاستعفى من الإمرة وخلع القباء وجميع زيّ الأمراء والأجناد ، ولبس زيّ الفقراء الصّوفية : عباءة وبشتا وعمامة صوف صغيرة ، وركب الحمار بعد الخيول المسوّمة ، ومشى في الأسواق والشّوارع على قدميه بعد العساكر والمواكب والحجاب الكثيف والبأو العظيم ، وقنع في النّفقة عليه وعلى عياله بما يتحصّل له من أوقاف أبيه ، وأعرض عن غضارة العيش والتأنق في الرّفة . وحجّ في سنة ثلاث وثمانين وسبع مائة مع الرّجبيّة ، وكنت فيها فكان يكثر من الطّواف بعباءة خشنة ولزوم الصّمت والسكون ، فتخشع لرؤيته القلوب ، وتقشعرّ من مهابته الجلود . وما زال على ذلك حتى مات في يوم الأحد ثاني عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وسبع مائة وقد أناف على السبعين ، رحمه اللّه فلقد كان أحد المحاسن التي أدركناها والملح التي شاهدناه ، شكر اللّه سعيه . 119 - أحمد بن داود بن محمد الدّلاصي ، شهاب الدين ، شاهد الطّرحى « 1 » . كان يعدّ من رؤساء النّاس ، باشر عند جماعة من الأمراء في شهادة دواوينهم ، وناب عنّي في حسبة القاهرة لما وليتها في سنة إحدى وثماني مائة ، فشكر فيها ، وكان لي به أنس . مات وقد نيّف على الستين في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثماني مائة ، رحمه اللّه . حدّثنا الرئيس شهاب الدين أحمد بن داود الدّلاصي رحمه اللّه ، قال : أخبرني الأمير آقبغا المارداني كاشف الوجه القبلي وأمير الحاج وحاجب الحجّاب في الأيام الظاهريّة برقوق ، قال : كنت رفيقا للملك الظاهر برقوق في سجن الكرك أيام نفي إليها وهو مملوك بعد قتل الأمير يلبغا الخاصّكي فسجنّا ، وكنا خمسة من المماليك اليلبغاوية في قلعة الكرك مدّة ، فاشتهينا يوما أن نأكل طعام حبّ رمّان ، وليس لنا إلى أكله
--> ( 1 ) ترجمته في : ذيل الدرر ، الترجمة 49 ، وإنباء الغمر 4 / 151 ، والضوء اللامع 1 / 298 .