المقريزي
185
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
سبيل ، لسوء حالنا ، وشدّة فقرنا ، وعدم الزّائر لنا ، فأخذنا نفضل من الزّيت الذي يرخى لنا في القنديل الذي نستضيء به حتى اجتمع لنا في مدّة أيام منه قدر جيد ، ثم سألنا الحرس الموكّلين بنا أن يتصدّقوا علينا بيسير من حبّ الرّمان ، فطرحوا لنا منه شيئا ، فعمدنا إليه وصلقناه حتى تهرّأ وألقينا فيه كسرا يابسة جمعناها من حوانيت السّجن قد تقادم عهدها ، فلما انحلّت صببنا فوقها الزّيت وأكلنا وقد وقع منا بموقع لم نجد قطّ لذّة لمأكل غيره مثلما وجدنا لذّته ، من شدّة جوعنا وعظم شهواتنا للمآكل التي لا نقدر على شيء منها . وقدّر اللّه سبحانه بخلاصنا من هذا السجن ، وتنقّلت بنا الأحوال ، وملك السلطان برقوق الدّيار المصرية ، وأنعم عليّ بإمرة طبلخاناه ، فجلست ليلة معه على العشاء ، أنا والأمير جركس الخليلي أمير آخور ، وكان أحد رفاقنا في سجن الكرك ، فناولني السّلطان لقمة من طعام مأمونيّة . وقال : آقبغا ، وهو بحبّه ، فلم أفهم ما قاله السلطان ، ثم ناولني لقمة أخرى وقال : « وهو بزيت » فدهشت وقلت للأمير جركس : ما يقول السلطان ؟ فلم يدر أيضا مراده ، فسألنا السّلطان عن هذا القول فقال : أنسيتم ؟ ما تذكرون يوم كنّا بسجن الكرك وأردنا أكل طعام حبّ رمّان وعملنا كذا ؟ فما منّا إلا من ذكر ذلك وقلنا : يا مولانا السّلطان ، بالصّبر على ذلك ، ولزوم خدمة السّلطان وسعادته صرنا إلى ما نحن فيه . قال : فتحوّل إلى القبلة وسجد للّه شكرا ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [ المائدة 54 ] . 120 - أحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن طوغان ، شهاب الدين ، الأوحديّ المقرئ المؤرّخ الأديب ، أحد رجال البحريّة من الجند « 1 » . ولد بالقاهرة في النّصف من المحرّم سنة إحدى وستين وسبع مائة ، وقرأ القرآن العظيم بالرّوايات السّبع ، وقرأ القراءات العشر على الشّيخ فخر الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن البلبيسي الضّرير ، شيخ
--> ( 1 ) ترجمته في : إنباء الغمر 6 / 112 ، وذيل الدرر ، الترجمة 316 ، والضوء اللامع 1 / 358 ، وحسن المحاضرة 1 / 556 ، وشذرات الذهب 7 / 89 .