المقريزي
174
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
سنة إحدى وتسعين بعد الحافظ زين الدين عبد الرّحيم العراقي ، ثم صرف منها بعد مدّة ، وولي قضاء طرابلس ، وغزّة ، وصفد ، والقدس غير مرة ، وناب في دمشق عن قضاتها زمانا ، ودرّس بها في عدّة أماكن . وكان فقيرا ذا عيال لا يزال يكدح في طلب الرّزق . وتردّد إليّ بدمشق أيام إقامتي بها ، وكان لي به أنس . وحدّث عن ابن كثير ، وابن رافع ، والشيخ محمد بن عمر السّلاوي صاحب ابن عبد الدّائم . وتوفي بدمشق عن أربع وسبعين سنة في يوم الأربعاء تاسع عشري صفر سنة ثلاث عشرة وثماني مائة . رحمه اللّه . 105 - أحمد بن إبراهيم بن محمد اليمانيّ ، المعروف بابن عرب ، زاهد الوقت « 1 » . قدم أبوه إبراهيم من بلاد اليمن إلى بلاد الرّوم ، وسكن مدينة برصا فولد له أحمد هذا . ونشأ بمدينة برصا ، وعرف فيها بابن عرب . ثم سار منها إلى القاهرة وهو شابّ فنزل بخانكاه شيخو ، وقرأ على إمام الخمس بها خير الدّين سليمان بن عبد اللّه ، وهو حينئذ فقير مملق يتصدّق عليه بما يمسك رمقه ويسدّ بعض خلّته . وكان مع ذلك ينسخ بالأجرة لمن عساه يستكتبه ، ثم نزل بعد مدّة في جملة صوفيّة الخانكاه بالقاعة المستجدّة بها بمبلغ ثلاثين درهما في كل شهر ، فتعفّف عن أخذ صدقات الناس واعتزلهم جملة ، وانقطع في بيت بالخانكاه ، وأعرض عن كلّ أحد ، واقتصر على ملبس خشن حقير جدا ، ويقنع بيسير القوت ، وصار لا ينزل من بيته إلا ليلا لشراء قوته ثم يطلع إليه ، فإن حاباه أحد من الباعة فيما يشتريه من قوته تركه وما حاباه به حتى عرف بذلك ، فترك الباعة محاباته وتبرّكوا بوقوفه عليهم ، ووقفوا عندما يشير لهم به من غير أن يكلمهم . ثم صار لا ينزل من بيته إلا كلّ ثلاث ليال مرة بعد عشاء الآخرة فيشتري قوته
--> ( 1 ) ترجمته في : السلوك 4 / 756 ، وذيل الدرر ، الترجمة 606 ، وإنباء الغمر 8 / 122 ، والدليل الشافي 1 / 36 ، والمنهل الصافي 1 / 203 ، والضوء اللامع 1 / 200 ، وحسن المحاضرة 1 / 529 ، والطبقات السنية 1 / 303 .