المقريزي

175

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

ويعود إلى بيته سريعا ، ولا يقبل من أحد شيئا حتى أنّ رجلا دسّ في قفّته قليل موز وهو لا يشعر به ، فلما عاد إلى منزله ورأى الموز نزل وما زال حتى عرف من دسّه عليه ، فألقاه إليه ولم يكلمه ومضى . وكان يغتسل بالماء البارد في كل يوم جمعة شتاء وصيفا ويمضي إلى صلاة الجمعة من أوائل النهار . ويظلّ يصلي حتى يخرج الخطيب ، فيكون قيامه في تركّعه هذا بنحو ربع القرآن من غير أن تسمع له فيه قراءة ، ويطيل قيامه حتى يكون بقدر ما يقرأ حزبين . وكان مع محبّة الناس له وكثرة تعظيمهم إياه قد صانه اللّه من إقبالهم إليه ، فيمرّ إلى الجمعة وهم يشيرون بأصابعهم إليه ، ولا يدنون منه ، وكان لا يرى مارّا في النّهار إلا يوم الجمعة ، أو إذا مات أحد من أهل الخانكاه فكأنما يقال له : مات فلان ، فيشهد جنازته ، ولا يرى ليلا إلا كل ثلاث إذا نزل لشراء قوته ، ولا يجسر أحد أن يدنو منه ، فإن دنا منه أحد وكلّمه لا يجيبه أبدا . أقام على ذلك نحو الثلاثين سنة ؛ وفي أثناء ذلك ترك النّسخ بالأجرة ، واقتصر على الثلاثين الدّرهم فلوسا في كل شهر ، وأفضل منها ما وجد بعد موته . وكان يرى في الليل بسطح الخانكاه قائما على قدميه حتى يقرأ ربع القرآن ، وكان يعرف القراءات السّبع . ورئي مرة بهذا السطح ويده ممدوة وفي كفه فتات الخبز والطير تأكل منه . وكان إذا احتاج إلى خياطة شيء من الخيش الذي يلبسه دفعه إلى من يتخيّره وأعطاه أجرته من الفلوس المرتبة له ، وإن أعانه أحد وحمل معه جرّة الماء التي يصعد بها إلى بيته أعطاه أجرة عن ذلك . وكانت تمرّ به الأعوام الكثيرة لا يتلفظ بكلمة سوى قراءة القرآن وذكر اللّه لا غير ، وكان خادم الخانكاه يحمل له في كل شهر الثلاثين الدّرهم الفلوس ، فلا يأخذها إلا عددا عن كلّ درهم أربعة وعشرين فلسا كما عهده بها قبل اعتزاله . ولم يزل على هذا القدم من الزّهد في الدّنيا ، والتّقلّل في المأكل والاقتصاد في الملبس حتى توفي ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول سنة