المقريزي
159
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
الفطن عند التأمل أحدهما من الآخر ، وكانا جيرانه ، وتحت كلّ منهما امرأة لا تعرف زوجها من أخيه إذا دخل إليها إلا بما تثق به من قوله أنه زوجها . قال : وكان عمر هذا عفيفا بلغ من عفّته أنّ ابن عمّه كانت تحته امرأة تهوى عمر هذا ، وكان رجلا جميلا ، فبلغ بها حبّه أن كانت إذا دخل إلى منزل ابن عمّه تقوم إليه وتلقي نفسها عليه ، وتعرض نفسها له من غير احتشام فيمتنع عنها ، فإذا كثر إلحاحها وعيل صبره لكثرة الغلمة ألقى نفسه إلى الأرض وخار كما يخور الثور من شدّة ألم الشهوة ، وما زال على طريقته في العفة عنها مع كثرة تعرّضها إليه وعرضها نفسها عليه حتى مات ابن عمّه وتزوّجها من بعده وتمتع كل منهما بصاحبه ، والعاقبة للمتقين . وأخبرني الشيخ الشّريف أبو بكر أنه تزوج بامرأة كانت قبله تحت رجل من ديار بكر العليا في قرية منها يقال لها الدّنين ، وأن بعض جاراتها من الفقراء خرجت لتلتقط من وراء الحصّادين ما لعله يسقط منهم عند الحصاد ، فتركت ابنها ، وكان مرضعا ، بمكان من الأرض ، وغدت تلتقط ، فلما رجعت إليه إذا بحية عظيمة قد ركبت صدر الصبيّ ، وأدلعت لسانها تلحس شفتيه ، فصرخت المرأة لهول ما عاينت ، واجتمع الناس إليها لا يدرون ما يعملون ، فانتبه الصبيّ ، وكان راقدا ، وتحرّك حتى خرجت إحدى يديه من قمطه ، وقبض بها على الحية ، فصادفت يده مخانقها ، وفحص برجليه وبكى ، وزاد اضطرابه وظغطه للحية ، والناس ذاهلون قد تحيّروا في أمرهم ، إن ضربوا الحية مات الصبيّ من ضربتها ، أو تركوها لا يأمنوا أن تلسعه . وبيناهم في ذلك إذ انساب ذنب الحية وارتخت ، فقال بعضهم : قد كفى اللّه أمر الحية ، إنها ماتت وأمر أمّ الصبيّ فأتته وأخرجت ثديها ووضعته عند فم الصبيّ ففرّج أصابعه عن مخانق الحية وتناول الثدي وارتضعه ، وضرب القوم الحية حتى هلكت ، فعدّ هذا من عجيب صنع اللّه بعباده ، وخفيّ لطفه كيف ألهم الطفل