المقريزي

93

المقفى الكبير

فابعثوا إلينا غرماءنا . فلمّا سمع السلطان الرسالة بكى وحلف أنّه لم يكن له علم بشيء من ذلك . وحلف أيضا بكتمر وقال : إنّما ركبنا وفي ظنّنا أنهم يريدون قتل السلطان وإقامة غيره ، وقصد الأمراء بهذا الكلام أن يمسكوا مماليك السلطان شيئا بعد شيء حتّى يتمكّنوا من غرضهم ، وأنا آخذ ابن أستاذي ومماليكه وأسير إلى الكرك . فغضب الأمراء من كلام بكتمر وهمّوا بالركوب عليه ومحاربته . ثمّ بعثوا إلى الأمير بكتاش الفخري الأتابك ، وكان على الجاليش « 1 » ، وبينهما مرحلة ، يخبرونه بما وقع ، فبعث يوصيهم بأن لا يتعرّض أحد إلى السلطان بما يكره . فأخذ سلّار يداري الأمر ، وركب بنفسه وأصلح بين بكتمر والبرجيّة ، وقبض على الأويراتيّة وعاقبهم فأقرّوا بما عزموا عليه من قتل بيبرس وسلّار وإعادة كتبغا [ 86 ب ] إلى السلطنة . فاطمأنّوا عند ذلك إلى السلطان ، وشنق من الأويراتيّة نحو الخمسين بثيابهم وكلفتاتهم ، وفرّ قطلوبرس فنهب أثقاله ، وأخذت البرجيّة تغري بيبرس بسلّار وتوحش بينهما بأنّه موافق لمماليك السلطان . فلمّا بلغ سلّار ذلك دارى الأمر ووافق السلطان على إرسال جماعة من المماليك إلى الكرك ، فبعثهم إليها وحبسهم بها . ووقع الرحيل إلى قرتيّة « 2 » بعد أيّام ورسم بالإقامة عليها حتى يعود الرسل بأخبار غازان . فأتى سيل عظيم تلفت فيه أكثر أمتعة العسكر ، وافتقر جماعة منهم فتشاءموا به وتطيّروا منه بأنّه منذر بهزيمتهم من العدوّ ، وكثر تحدّثهم بذلك . فصحّ ما قالوه ، ثمّ عقب السيل جراد سدّ الأفق حتى حجب الشمس عن الأبصار فاشتدّت طيرتهم بأنّه منذر بقدوم العدوّ عليهم ، ولهجوا بذكر ذلك بحيث صارت السوقة تتداول الكلام به . [ خروج الناصر لحرب غازان ] فلمّا أهلّ ربيع الأوّل [ سنة 699 ] رحل السلطان والأمراء يريدون دمشق ، فدخلها يوم الجمعة ثامنه . وقدم الجفل من حلب وغيرها من الغد . وورد البريد بنزول غازان في عسكر عظيم على الفرات . فأنفق السلطان في العسكر حينئذ ما بين أربعين دينارا وثلاثين دينارا للفارس ، هذا والجند يتتابع قدومهم والإرجاف يعظم بمدد الططر فشحّت أنفس العسكر بإخراج النفقة في شراء ما يحتاجون إليه وتزايدت الأسعار ، وأجرى اللّه على لسان كلّ أحد أنّ عسكر السلطان مكسور ، ولهجت الألسنة بذمّ البرجيّة . ثمّ قدم البريد بأنّ غازان على الفرات وجفل أهل الضياع عن آخرهم . وقدم أسندمر كرجي متولّي فتوحات سيس ومعه صاحب سيس ، وأخبر بأنّ عسكر غازان استولى على تلّ حمدون بما فيه من الحواصل . فخرج السلطان وقت الزوال من يوم الأحد سابع عشره ، ونزل على حمص وعساكر غازان على سلميّة . فأقام العسكر ثلاثة أيّام بالسلاح ، وغلت الأسعار . وركب السلطان سحر يوم الأربعاء ثامن عشرينه بالعساكر وجدّ في السير إلى الرابعة من النهار . فظهرت طوالع غازان ، فنودي في العسكر : ارموا الرماح واعتمدوا على ضرب السيف والدبّوس ! فألقوا رماحهم [ على ] الأرض وساروا ساعة إلى [ 87 أ ] مجمع المروج الذي يعرف اليوم بوادي

--> ( 1 ) الجاليش : راية كبيرة . ( 2 ) قال ناشر السلوك 1 / 885 : هي قرب جبرين بفلسطين ، وهذه التحرّكات وقعت في صفر 699 .