المقريزي

94

المقفى الكبير

الخزندار « 1 » ، وهم تسعة وعشرون ألف فارس وغازان نحو مائة ألف . فترتّب العسكر ، ووقف الأمير عيسى ابن مهنّأ في رأس الميمنة ويليه الأمير بلبان الطبّاخي نائب حلب بعساكر حلب وحماة . ووقف في الميسرة الأمير بكتاش الفخري أمير سلاح ، والأمير جمال الدين آقوش قتّال السّبع ، ونجم الدين سنجر الدواداري ، وطغريل الإيغانيّ ، والحاج كرت نائب طرابلس ، في كثير من الأمراء والعساكر . ووقف في القلب الأميران بيبرس الجاشنكير وسلّار ، وبرلغي وقطلوبك الحاجب ، وأيبك الخازندار في جمع كبير ، وجعلوا جناحهم المماليك السلطانيّة . ووقف السلطان ومعه الحسام [ لاجين الدوري ] أستادار على بعد من المصافّ حتى لا يعرف فيقصد . وتقدّم خمسمائة مملوك من الزرّاقين تجاه العساكر . وبينا هم في ذلك إذ نزل بالأمير بيبرس مرض منعه من الركوب ، فاعتزل ناحية . وركب الأمير سلّار بالحجّاب والأمراء والفقهاء ، ودار على العساكر . وأخذ الفقهاء في وعظ الناس وتقوية عزائمهم على الثبات حتّى كثر البكاء واشتدّ النحيب . ومع ذلك فلم يتحرّك غازان ولا أحد ممّن معه ، وقد تقدّم إليهم أن يراعوه جميعا بنظرهم حتى إذا حمل على عساكر المسلمين حملوا معه حملة واحدة ، فقلق العسكر من ثباته وبادر إلى لقائه وأشعل الزرّاقون النار في النفوط ، وحملوا على غازان فلم يعبأ بهم ووقف في موضعه . فمرّت خيول المسلمين تعدو عدوا سريعا ، ثمّ قصّرت لمّا طال المدى ، وخمدت نار النفط . [ هزيمة وادي الخزندار - ربيع الأوّل 699 ] فانقضّ عند ذلك غازان بجموعه وخرقهم ، وبين يديه عشرة آلاف راجل يرمون بالنشّاب رميا متتابعا تلف به كثير من الخيول وسقط عنها الفرسان إلى الأرض وكان أكثرها في العربان فولّوا منهزمين ، وتبعتهم عسكر حلب وحماة . فتمّت هزيمة الميمنة من ميسرة غازان وصدمت ميسرة المسلمين ميمنة غازان ، ففرّقت جمعها وشتّتتها عن آخرها وقتلت منها نحو الخمسة آلاف ، وكاد غازان أن يولّي . ثمّ ثبت حتى تلاحق به أصحابه وحمل بهم على القلب ، فولّى الأمير سلّار النائب ومعه بكتمر الجوكندار وبرلغي وسائر البرجيّة ، وركب غازان أقفيتهم بحيث كانت سهامه تقع في خوذهم . فبكى السلطان وجعل يدعو اللّه ويقول : يا ربّ لا تجعلني كعبا نحسا « 2 » على المسلمين ! - وهمّ أن يفرّ فمنعه [ 87 ب ] الحسام لاجين أستدار وثبّته . وأخذ من معه يتسلّل حتى بقي في اثني عشر مملوكا . هذا والميسرة الإسلاميّة قد مرّت في إثر ميمنة غازان تقتل وتأسر ولا علم لها بما وقع بالميمنة والقلب من الكسرة . فلمّا عادت إلى ظاهر حمص بعد العصر بالغنائم رأت البرجيّة منهزمة والتتر في أعقابها فسقط في أيديهم . ثمّ إنّ غازان خاف أن يكون للمسلمين كمين فكفّ عن اتّباعهم . ووافى المنهزمون حمص عند غروب الشمس وقد أخذ التتر سائر ما كان معهم فغنموا ما لا يدخل تحت حصر ، وصار الأمراء والعسكر يلقي كلّ أحد منهم ما عليه من السلاح فيتركه خلفه يريد نجاة نفسه إلى أن وصلوا بعلبك ، وخيولهم لا تكاد تخطو من العيّ والكلال ، بكرة يوم الجمعة . فامتاروا منها ومرّوا على وجوههم إلى دمشق فدخلوها يوم السبت أوّل ربيع الآخر . ومضى كثير منهم على الساحل . فماجت مدينة دمشق وجفل أهلها بأجمعهم وتركوا أموالهم وتشتّتوا في سائر الجهات . ومرّ العسكر أيضا يريد

--> ( 1 ) بين حماة وحمص ، السلوك 1 / 886 ، هامش 3 . ( 2 ) الكعب هو القدم يقال : فلان كعبه مبارك ج أكعاب ( دوزي ) .