المقريزي

92

المقفى الكبير

الدين سنقر الأعسر ، وخلع عليهم وعلى سائر أهل الدولة . وكتب بالبشارة إلى سائر الأعمال ، وزيّنت القاهرة ومصر زينة عظيمة . فلمّا كان يوم الأربعاء ثامنه ركب السلطان بخلعة الخلافة ، والتقليد بين يديه ، وعمره أربع عشرة [ سنة ] . وأقرّ الوزير فخر الدين عمر بن الخليليّ في الوزارة . وصار الأمراء يجتمعون عند السلطان في يومي الاثنين والخميس ويقرّون أمور الدولة مع الأميرين بيبرس وسلّار ، فتصدر سائر الأمور عنهما ، وليس للسلطان معهما إلّا مجرّد الاسم ، وشرعا في تقديم حواشيهما والزامهما ، وقويت شوكة البرجيّة ومقدّمها الأمير بيبرس ، وصار لهم حمايات كبيرة ، وتردّد الناس إليهم في حوائجهم . وأمّر الأمير بيبرس جماعة منهم . وقام الأمير سلّار بأمر الصالحيّة والمنصوريّة فوقع التحاسد بين الطائفتين ، وكانت البرجيّة أكثر عددا وأقوى . وبقي بيبرس إذا أمر واحدا من البرجيّة وقفت طائفة سلّار إليه وطلبوا منه أن يؤمّر منهم واحدا كما أمّر بيبرس . وبينا هم في ذلك إذ توثّب الأمير سيف الدين برلغي وشارك بيبرس وسلّار في التحدّث في أمور الدولة ، وانتمت إليه الأشرفيّة فعزّ بهم جانبه . واشتدّ الحجر على الملك الناصر بحيث كان لا يقدر أن يستدعي ما يريده من مأكل ومشرب ، وإذا جلس في المركب وقف بيبرس وسلّار وعرضا عليه ما يريدان ، وشاورا الأمراء ، ويقولان : قد رسم السلطان بكذا ، فتمضي الأمور على ما يريدانه ، فيخرجان ويجلسان ويصرّفان الأحوال . وبينا هم في ذلك إذ ورد الخبر بحركة القان الجليل إيلخان معزّ الدين غازان محمود بن أرغون بن أبقا بن هولاكو بن تولي بن جنكز خان وجمعه لأخذ بلاد الشام . فخرج الأمراء بالسلطان في رابع عشرين ذي الحجّة منها ، ولم ينفق في العسكر شيء ، وجعل نائب الغيبة الأمير ركن الدين بيبرس المنصوريّ ، وسار إلى غزّة ، وقد كثر تحاسد الأمراء ، وأقبلوا في غزّة على الصيد . فاجتمعت طائفة الأويراتيّة على الأمير قطلوبرس العادليّ واتّفقوا على قتل بيبرس الجاشنكير وإعادة العادل كتبغا . فلمّا وقع الرحيل من غزّة ونزل السلطان والأمراء بتلّ العجول وركبوا للخدمة على العادة ، وبيبرس مع سلّار [ 86 أ ] فعند ما ترجّل الأمراء ولم يبق راكبا غير بيبرس وسلّار ، شهّر طرنطاي سيفه وكان ماشيا في ركب بيبرس ، فضربه ضربة سقطت على كفل الفرس [ ف ] حلّت ظهره وأتبعها بأخرى قطعت كلفتاه وجرحت وجهه . فأخذت السيوف طرنطاي من كلّ ناحية حتى هلك ، ووقعت الصيحة فركب العسكر وانحازت الأويراتيّة إلى الدهليز السلطانيّ يريدون اغتيال السلطان . فظنّ الأمير بكتمر الجوكندار والمماليك السلطانيّة أنّ الأمراء يريدون قتل السلطان ولم يبلغهم خبر بيبرس ، فنشروا العصائب السلطانيّة ووقفوا مستعدّين للحرب وقد عاد بيبرس وسلّار ومن معهما إلى خيامهم ، وتقدّموا إلى الحجّاب والنقباء بجمع العسكر إلى مخيّم الأمير سلّار النائب ، فمضوا بأجمعهم إلى العصائب السلطانيّة ووقفوا تحتها ولم يلتفتوا إلى ردّ الحجّاب لهم ، فاشتدّ تخيّل بيبرس وسلّار من السلطان ، وبعثا إلى الأمير بكتمر الجوكندار ، وهو يومئذ جاندار ، يعتبانه ويقولان : ما هذه الفتنة ، ونحن على لقاء العدوّ ، وقد بلغنا أنّ الأويراتيّة قد اتّفقوا مع مماليك السلطان على قتلنا ؟ وكان هذا برأيك وموافقة السلطان ، فإن كان الأمر كما بلغنا فنحن مماليك السلطان ومماليك الشهيد ونكون فداء المسلمين . وإن كان الأمر بخلاف ما بلغنا