المقريزي

47

المقفى الكبير

وقال أسعد بن أبي نصر الميهني : لا يصل إلى معرفة علم الغزالي وفضله إلّا من بلغ ، أو كاد يبلغ ، الكمال في عقله . وقال القاضي أبو المعالي عبد اللّه بن محمد بن علي الميانجي الهمذاني : تحيّرت في أمري تحيّرا تنغّص معه العيش ، حتّى دلّني دليل المتحيّرين على الطريق ، وأمدّني كرمه بالمعرفة والتوفيق . وعلى الجملة فما نعشني من سقطتي بعد اللّه إلّا كتب الإمام أبي حامد الغزالي ، وكنت أتصفّحها قريبا من أربع سنين . وقال أبو الخير أحمد بن إسماعيل القزويني : سمعت شيخنا محمّد بن يحيى يقول : الغزالي هو الشافعيّ الثانيّ . قال ابن عساكر : كان إماما في علم الفقه مذهبا وخلافا ، وفي أصول الديانات . وسمع صحيح البخاري من أبي سهل محمد بن عبد اللّه الحفصيّ . وقال السمعاني فيه : من لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا ( قال ) : وما أظنّ أنّه حدّث بشيء ، وإن حدّث فبيسير لأنّ رواية الحديث ما انتشرت عنه . وقال محمد بن يحيى بن عبد المنعم العبدريّ المؤدّب : رأيت بالإسكندريّة في سنة خمسمائة ، في أحد شهري المحرّم أو صفر ، فيما يرى النائم ، كأنّ الشمس طلعت من مغربها . فعبّر ذلك بعض المفسّرين ببدعة تحدث فيهم . فبعد أيّام [ 45 أ ] وصلت المراكب بإحراق كتب الغزالي بالمريّة . والذي أحرقها علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب . وقال الفقيه أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر العلويّ ، وحلف باللّه مرّات ، أنّه أبصر في منامه كأنّه ينظر في كتب الغزالي ، فإذا هي كلّها تصاوير . وقال القاضي أبو حفص محمد بن أحمد الخطيب الزنجانيّ : حدّثني والدي أبو العبّاس قال : كنّا يوما في حلقة أبي حامد الغزالي ، وقد جرى ذكر الحديث : « تعلّمنا العلم لغير اللّه فأبى أن يكون إلّا اللّه » . فأكثر الغزالي التعجّب وقال : أخبركم بعجب يشهد بصحّة هذا الحديث . واللّه : لقد مات والدي وخلّف لي ولأخي قدرا يسيرا ما بعد أن فني . وبقينا بحيث تعذّر القوت علينا ، وسرنا إلى بعض المدارس مظهرين طلب الفقه ، وليس المراد سوى تحصيل القوت . وكان تعلّمنا العلم لذلك لا للّه . فأبى أن يكون إلّا للّه . وكان علماء المغرب يسمّونه « شيخ المثل » ، يعنون الأمثال ، لأنّه قلّما يذكر حالة إلا ويذكر لها مثالا ، ولا سيّما في كتاب الإحياء . وقال الإمام فخر الدين الرازي عن كتاب الإحياء : كأنّ اللّه جمع الوجود كلّه في قبّة ، وأطلع الغزالي من قبّتها على أحوالهم الباطنة والظاهرة حتى تكلّم عليها . وممّا عيب به قلّة اعتنائه بعلم النحو ، وذكر له خلل وقع في كتبه فاعترف بأنّه ما مارس فنّ النحو ، وأنّه اكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه . وممّا نقم عليه ألفاظ وقعت له في كتاب كيمياء السعادة وغيره لا يوافق عليها . وتكلّم فيه أبو الوليد الطرطوشي ، وأبو عبد اللّه المازري بعظائم حاصلها أنّه تضلّع من الفلسفة ، وعوّل على رسائل إخوان الصفاء ، وعلى كلام أبي علي ابن سينا ، وعوّل في التصوّف على أبي حيّان التوحيدي ، لا سيّما في الكتاب المضنون به على