المقريزي

44

المقفى الكبير

3157 - الإمام أبو حامد الغزاليّ [ 450 - 505 ] « 1 » محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ، الغزاليّ ، أبو حامد ، ابن أبي عبد اللّه ، من أهل طوس . كان والده رجلا صالحا مجتهدا في كسب الحلال من صناعته ، ويطوف على المتفقّهة ويجالسهم ويتوفّر على خدمتهم ، ويعطي محتاجهم بحسب وسعه ، وإذا سمع كلامهم بكى ، وتضرّع وسأل اللّه أن يرزقه ابنا ويجعله فقيها . وكان يكثر حضور مجالس الوعظ ، فإذا طاب وقته بكى وسأل اللّه أن يرزقه ابنا واعظا . وكان والده من متوسّطي أرباب المهن ، وكان يغزل الصوف ويبيعه في دكّان له بسوق الصوّافين بطوس . فلمّا حضرته الوفاة وصّى بولديه ، أبي حامد هذا وأخيه أحمد ، وبما عساه أن يخلّف لهما إلى صديق له متصوّف من أهل الديانة ، وقال له : ما كنت لأتأسّف على شيء من الدنيا كأسفي على الخطّ ، وكيف لم يكن لي من يعلّمني . وقد استدركت بعض ما فاتني في نفسي من ذلك في هذين الصغيرين ، وفي قلبي حسرة : كيف لم أعش حتى أكمل ذلك لهما ! وأحبّ منك أن تتمّ لهما ما علّمتهما ولا عليك أن لا يبقى لهما شيء بعد تعلّمهما . فلمّا قضى نحبه ، أقبل المتصوّف على تعليمهما فآلى أن يحمل من الكتابة نصيبهما في ما كان خلّف أبوهما بحيث تعذّر عليهما ثمن قوتهما . فقال لهما المتصوّف : اعلما أنّي أنفقت عليكما ما كان لكما . وأمّا أنا فرجل من الفقر والتجريد بحيث ليس لي مال فأواسيكما وأصلح حالكما . [ و ] ما أرى لكما إلّا أن تلجئا إلى مدرسة بأنّكما تطلبان « 2 » الفقه ، عساه يحصل لكما مقدار قوتكما . - ففعلا ، فكان ذلك سبب سعادتهما . وكان الغزالي يحكي هذا ويقول : طلبنا العلم لغير اللّه فأبى أن يكون إلّا للّه . فقرأ أبو حامد طرفا من الفقه ببلده على أحمد الدادكاني ، ثمّ سافر إلى جرجان يريد الإمام أبا نصر الإسماعيليّ . فأقام عنده وعلّق عنده التعليقة ثم عاد ، فقطع عليه الطريق وأخذ العيّارون جميع ما معه ومع غيره ومضوا . فتبعهم فالتفت إليه مقدّمهم وقال : ارجع ويحك وإلا هلكت ! فقال له : أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن تردّ عليّ تعليقتي من جميع ما أخذت منّي : فما هو شيء تنتفعون به . فقال له : وما تعليقتك ؟ فقال : كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها . فضحك وقال : كيف تدّعي أنّك عرفت علمها ، وقد أخذناها منك فتجرّدت من معرفتها وبقيت بلا علم ؟ ثمّ أمر بعض أصحابه فسلّم إليه المخلاة . قال أبو حامد : فقلت : هذا مستنطق أنطقه اللّه تعالى ليرشدني به في أمري . فلمّا وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علّقته ، وصرت بحيث لو قطع عليّ الطريق لم أتجرّد من علمي . ولازم أيضا أبا المعالي الجوينيّ بنيسابور ، وجدّ واجتهد حتّى برع في المذهب [ 43 ب ] والخلاف ، والأصولين ، والجدل ، والمنطق ، وقرأ الحكمة والفلسفة ، وفهم كلام أرباب هذه العلوم ،

--> ( 1 ) الوافي 1 / 274 ( 176 ) ، وفيات 4 / 216 ( 588 ) ، السبكي 6 / 191 . ( 2 ) في المخطوط : طالبين .