المقريزي

45

المقفى الكبير

وتصدّى للرد عليهم وإبطال ما ادّعوه ، وصنّف في كلّ فنّ من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها ، وأجاد ترتيبها وترصيفها . وكان شديد الذكاء ، قويّ الإدراك ، بعيد الغور ، ذا فطنة ثاقبة ، وذهن حاضر ، وغوص على المعاني ، وحسن إيراد لما يورده . فحصل له في مدّة قريبة ما لم يحصل لأمثاله في مدّة طويلة ، حتى صار أفقه أهل زمانه ، وانظر أقرانه ، وسابق ميدانه ، وريحانة بستانه ، وإمام الفقهاء على الإطلاق ، وربّانيّ الأمّة بالاتّفاق ، ومجتهد زمانه ، وعين وقته وأوانه . فشاع ذكره في البلاد ، واشتهر فضله بين العباد ، فاتّفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه وتوقيره وتكريمه ، فخافه المخالفون ، وانقهر لحججه وأدلّته المناظرون ، وظهرت بتنقيحاته فضائح المبتدعة والمخالفين ، وقام بنصر السنّة وإظهار كلمة الدين ، وسارت مصنّفاته في الدنيا سير الشمس في البهجة والجمال ، وشهد له الموافق والمخالف بالمتقدّم والكمال ، حتى ذكر أنه صنّف في حياة أستاذه إمام الحرمين أبي المعالي الجوينيّ كتاب « المنخول » ، فلمّا رآه الجوينيّ قال له : دفنتني وأنا حيّ ! هلّا صبرت حتى أموت ، لأنّ كتابك غطّى على كتابي . فلمّا مات أبو المعالي خرج الغزالي إلى العسكر قاصدا الوزير نظام الملك ، وناظر الأئمّة الكبار في مجلسه ، وقهر الخصوم ، وظهر كلامه على الكلّ ، واعترف بفضله الخاصّ والعامّ ، وتلقّاه نظام الملك بالقبول ، وأحلّه محلّ النفوس ، وأجلّه إجلال المرءوس . ثمّ ولّاه التدريس بمدرسته النظاميّة ببغداد ، وأمره بالتوجّه إليها ، فقدم بغداد سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، ودرّس في جمادى الأولى منها فأعجب الكل بحسن كلامه وكمال فضله وعبارته الرشيقة ومعانيه الدقيقة ، وإشاراته اللطيفة ونكته الظريفة . فلمّا اجتمع الفقهاء إليه وفرغوا من تهنئته والثناء عليه ، قالوا له : قد علم سيّدنا أنّ العادة لكلّ من ولي تدريس هذه البقعة أن يعمل للفقهاء دعوة ، ويحضرهم سماعا ، جريا على رسم من سبق من الأئمّة . وأنت من أفضل من نزلها ، ونريد أن تكون دعوتك في كمال النعمة كرتبتك في رتب من سبق من الأئمّة . فقال لهم : سمعا وطاعة ، ولكن على أحد أمرين : إمّا أن يكون التقدير إليكم [ 44 أ ] والتعيين لي . وإمّا أن يكون التعيين إليكم والتقدير لي . فقالوا : بل التقدير لك والتعيين لنا . فنريد الدعوة اليوم ! فقال لهم : فالتقدير حينئذ منّي على حسب ما يمكنني : أن أحضر لكم خبزا وخلّا وبقلا . فقال الفقهاء : لا واللّه ! بل التعيين لك ، والتقدير لنا . ونريد أن يكون في هذه الدعوة من الحملان كذا وكذا ، ومن الدجاج كذا ، ومن الحلوى كذا . فقال : سمعا لكم وطاعة ! والتعيين بعد ستّين ! - فقالوا : عجزنا ! وقد سلّمنا الكلّ إليك ، لعلمنا أنّنا إن جرينا معك على قاعدة النظر جلت بيننا وبين الظفر من هذه الدعوة بقضاء الوطر ! وأقام على التدريس حتى شرفت نفسه عن رذائل الدنيا ، فرفض ما كان فيه من التقدّم والجاه ، وانخلع عن نعمته وجاهه وحشمته . وترك التدريس وحجّ . وتوجّه إلى الشام بعد رجوعه في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين واستناب أخاه في التدريس . وجاور ببيت المقدس ، ثمّ عاد إلى دمشق