المقريزي

205

المقفى الكبير

يشتريهنّ بالثمن الربح ، إلى أجل يستدينه ، فإذا حلّ يغدو وهو رهينه ، فيتسامع به أهل اليسار ممّن ربطه عليه حبّ علمه وحسن ظنّه في دينه ، لا خاب في زعمه ، فيتكفّل بوفاء ذلك الدّين وغسل ذمّته وتنقيته من ذلك الشين ، حتّى إذا صار بريئا من الطلبات ، خالصا من المطالبات ، عن له أن يشتري جارية ، أو يزيد نفقة جارية ، فلا يلبث شهرا ، حتى يعود أثقل ممّا كان ظهرا ، ويدوم على هذا في الزمان دهرا ، فيقدّر له آخر فيوفّي عنه ما اشتغلت به ذمّته ، واشتغلت بسبب همّه لمّته ، واستجيزت بسببه عند أهل الورع مذمّته . هكذا كان دأبه ودأب ما يحمّل نفسه من أثقال التكاليف وإنفاق جمل المصاريف ، كأنّه يحتقر الذهب ، أو أنّ وفاء دينه على أهل الدنيا وجب . وكان على وفور علمه ودينه ، وشواغله بالتصنيف في كلّ حينه ، يكمن ناره في زناده ، ويحبس أواره في فؤاده ، ويلبس الرجال على بغضها ، ويسلب كلّ الأعمال لبعضها . وربّما قدر فعقر ، وواخذ فما غفر . إلّا أنّ التقوى كانت تمنعه من أليم المجازاة ، وتردّه عن بلوغ حدّ الغاية من التشفّي ، وفي النفس حزازات . [ صلابته في القضاء ] واتّفق له في ولايته القضاء أن بعث إليه الأمير منكوتمر النائب يعلمه أنّ تاجرا مات ، وترك أخا ، من غير وارث سواه . وأراده أن يثبت استحقاق الأخ لجميع الميراث ، بمجرّد هذا الإخبار ، فأبى ذلك . وتردّدت الرسل بينهما إلى أن اشتدّ غضب منكوتمر ، فبعث إليه الأمير كرت الحاجب . فلمّا دخل عليه سلّم فوقف ، فردّ القاضي عليه السلام ، وقام له نصف قومة وأمره فجلس . وأخذ يتلطّف بالقاضي في إثبات أخوّة التاجر بشهادة منكوتمر . فقال : فما ذا ينبني على شهادة منكوتمر ؟ فقال : يا سيّدي ، ما هو عندكم عدل ؟ فقال : سبحان اللّه ! ثمّ أنشد [ الطويل ] : يقولون : هذا عندنا خير جائز * ومن أنتم حتى يكون لكم عند ؟ وكرّر [ 169 ب ] هذا البيت ثلاث مرّات . وقال : واللّه متى لم تقم بيّنة شرعيّة تثبت عندي ، وإلّا فلا حكمت بشيء ! باسم اللّه ! - يعني : قم ! - فقام كرت وهو يقول : هذا واللّه هو الإسلام . وبلغ ذلك الأمير منكوتمر فاعتذر إليه فلم يقبل عذره . فلمّا طلع القاضي للخدمة بالقلعة على العادة ، ومرّ بدار النيابة ، ومنكوتمر جالس بالشبّاك ، تسارع الحجّاب إليه واحدا بعد واحد يقولون : يا سيّدي ، الأمير ولدك يريد الاجتماع بخدمتك . - فلم يلتفت إلى أحد منهم ، وهم يكرّرون السؤال . فقال : قولوا له : ما وجبت طاعتك عليّ ! ثمّ التفت إلى من معه وقال : أشهدكم أنّي عزلت نفسي . قولوا له : فليولّ غيري ! - ورجع من غير أن يدخل إلى الخدمة السلطانيّة ، ودخل بيته وأغلق بابه وبعث إلى النوّاب في الحكم بمنعهم . فشقّ ذلك على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ، وأنكر على الأمير منكوتمر . وبعث إلى القاضي بالشيخ نجم الدين حسين بن محمد بن عبّود ، والطواشي مرشد ، فما زالا به حتى ركب معهما إلى القلعة . فعند ما رآه السلطان قام إليه وتلقّاه ، وأخذ بيده ليجلسه على المرتبة ، فبسط خرقة كانت في كمّه فوق المرتبة ، وكانت من الحرير ، فجلس دون المرتبة . وأراد بوضع الخرقة فوق المرتبة ستر الحرير حتّى لا يراه وهو جالس . وأخذ السلطان يعرض عليه العود إلى القضاء ويتلطّف به وهو يأبى ذلك ، إلى أن قبل