المقريزي

206

المقفى الكبير

الولاية . فقال له السلطان ؛ يا سيّدي ، هذا ولدك منكوتمر - وأشار إليه - يكون خاطرك معه . ادع له ! - فنظر إلى منكوتمر ساعة ، وصار يفتح يديه ويقبضهما ، ثمّ قال : منكوتمر ما يجيء منه شيء ! يكرّرها مرّات . وقام . فأخذ السلطان الخرقة وفرّقها على الأمراء تبرّكا بها . [ معارضته للسلطان في أخذ المال من الرعيّة ] ولمّا رجعت العساكر إلى القلعة منهزمة من غازان ملك التتر في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستّمائة ، وأخذوا في الاستعداد لمحاربته ثانيا ، استدعى الأميران بيبرس الجاشنكير وسلّار نائب السلطنة ، وإليهما يومئذ جميع الدولة ، بالقاضي مجد الدين عيسى ابن الخشّاب وكيل السلطان ليأخذ فتوى الفقهاء بجواز أخذ السلطان من الرعيّة مالا لينفقه على قتال غازان . فتقرّب إليهما بأن أحضر فتوى الشيخ عزّ الدين بن [ 170 أ ] عبد السلام للملك المظفّر قطز بأن يؤخذ من كلّ إنسان دينار عندما تحرّك لمحاربة هولاكو . فبعث الأمير سلّار بالفتوى إلى ابن دقيق العيد ليكتب عليها ، فامتنع . فشقّ امتناعه على سلّار فاستدعاه ، وقد جمع الأمراء ، وشكا إليه قلّة المال ، وأنّ الضرورة قد دعت إلى أخذ مال الرعيّة لدفع العدوّ ، ولا بدّ من كتابة القاضي بجواز ذلك . فقال له : لا أكتب شيئا . فاحتجّ ابن الخشّاب عليه بفتوى ابن عبد السلام ، فقال : إنّ ابن عبد السلام لم يكتب لقطز حتّى أحضر سائر الأمراء جميع ما ملّكهم من الذهب والفضّة وحلي النساء والأولاد إلى بين يديه ، ورآه ، وحلّف كلّا منهم أنّه لا يملك سوى ما أحضره . فلمّا علم أنّ ذلك غير كاف ، ولا يقوم بتجهيز العساكر ، أفتى حينئذ بجواز أخذ دينار من كلّ واحد . أمّا الآن ، فبلغني أنّ كلّ واحد من الأمراء له مال جزيل ، وأنّ فيهم من يجهّز ابنته ليزفّها إلى زوجها ، وأنّه عمل في شورتها الجوهر واللآلي والحلي الذهب ، واتّخذ لها الأواني من الفضّة ، حتى إنّه عمل البكلة « 1 » التي توضع في الخلاء ليستنجي منها ، فضّة ، وأنّه رصّع مداس امرأته بالجواهر - يريد بذلك الأمير بيبرس - فكيف يحلّ مع ذلك أخذ شيء من أموال الرعيّة ؟ لا واللّه ، لا جاز لأحد أن يتعرّض لدرهم من أموال الناس ، إلّا بوجه شرعيّ ! ثم قام وتركهم . [ معارضته لاضطهاد المعاهدين ] ولمّا كانت واقعة اليهود والنصارى في شهر رجب سنة سبعمائة ، وألزموا بترك زيّ المسلمين ، وأن لا يركبوا الخيل ولا البغال ، وأن تكون عمائم النصارى زرقا وعمائم اليهود صفرا ، أفتى الفقيه نجم الدين أحمد ابن الرفعة بوجوب هدم كنائسهم من أجل أنّها أحدثت في الإسلام . فجمع القضاة والفقهاء لذلك ، فلم يوافقه ابن دقيق العيد على هدمها وقال : أحتاج إلى بيّنة تشهد أنّها أحدثت في الإسلام ، فإن قامت البيّنة بهذا ، أفتيت وحكمت بهدمها . ومتى لم تقم بيّنة عادلة بذلك ، لا يجوز هدمها . فوافقه الجماعة على ذلك ، وامتنع من هدم الكنائس بعد ما هدموا منها بأعمال مصر عدّة . [ . . . ] « 2 » وكان قد عزل نفسه ، فاستدعاه السلطان الملك المنصور لاجين وخلع عليه وأعاده ، وتقدّم إلى الأمير منكوتمر نائب السلطنة بتقوية أوامره .

--> ( 1 ) البكلة : إناء ( دوزي ) . ( 2 ) هذه أضافة مقحمة في ورقة طيّارة بين اللوحتين 164 ب و 165 ب ، فأسندنا إليها اعتباطا رقم 165 أ .