المقريزي
151
المقفى الكبير
ويقول : ما في قريش كلّها أرجح حلما ولا أفضل علما ولا أسكن طائرا ولا أبعد من كلّ كبر وطيش ودنس من محمّد بن عليّ . فقال له مروان بن الحكم ذات يوم : واللّه ما نعرفه إلّا بخير . فأمّا كلّ ما تذكر ، فإنّ غيره من مشيخة قريش أولى به . فقال معاوية : لا تجعلن من يتخلّق لنا تخلّقا وينتحل لنا الفضل انتحالا كمن جبله اللّه على الخير وأجراه على السداد . فو اللّه ما علمتك إلّا موزعا « 1 » مغرى بالخلاف . وكان يزيد بن معاوية يعرف له ذلك أيضا . فلمّا ولي يزيد ، لم يسمع عن ابن الحنفيّة إلّا جميلا ، وببيعته إلّا تمسّكا ووفاء ، فازداد له حبّا ، وعليه تعطّفا . [ مصانعة يزيد لابن الحنفيّة ] فلمّا قتل الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما وكان من أمر عبد اللّه بن الزبير ما كان ، على ما ذكر في ترجمته « 2 » من هذا الكتاب ، كتب يزيد بن معاوية إلى محمد بن الحنفيّة يعلمه أن قد أحبّ رؤيته وزيارته إيّاه ، ويأمره بالإقدام إليه . فقال له عبد اللّه ابنه : فإنّي غير آمنه عليك - فخالفه ومضى إلى يزيد . فلمّا قدم عليه أمر فأنزل منزلا وأجرى عليه ما يصلحه ويسعه ، ثمّ دعا به فأدنى مجلسه وقرّبه حتى سار معه . ثمّ قال له : آجرنا اللّه وإيّاك في الحسين بن عليّ . فو اللّه لئن كان نقصك لقد نقصني . ولئن كان أوجعك لقد أوجعني . ولو أنّي أنا الذي وليت أمره ثمّ لم أستطع دفع الموت عنه إلّا بحزّ أصابعي أو بذهاب نواظري لفديته بذلك ، وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي . ولا أحسبه إلّا قد بلغك أنّا نقوم به فننال منه ونذمّه . وأيم اللّه ! ما نفعل ذلك لئلّا تكونوا الأحبّاء الأعزّاء ، ولكنّا نريد إعلام الناس بأنّا لا نرضى أن ننازع أمرا خصّنا اللّه به وانتجبنا اللّه له . فقال له محمد بن الحنفيّة : وصلك اللّه ، ورحم حسينا وغفر له . قد علمنا أنّ ما نقصنا فهو لك ناقص ، وما غالنا فهو لك غائل ، وما حسين بأهل أن [ 126 أ ] تقوم به فتقصبه وتجدّبه « 3 » ، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين ألّا تسمعني فيه شيئا أكرهه . فقال يزيد : يا ابن عمّ ، لست تسمع شيئا تكرهه . وسأله عن دينه فقال : ما عليّ دين . فقال يزيد لابنه خالد بن يزيد : إنّ عمّك هذا بعيد من الخبث واللّؤم والكذب . ولو كان كبعض هؤلاء لقال : عليّ كذا وكذا . ثمّ أمر له بثلاثمائة ألف درهم ، فقبضها . ويقال إنّه أمر له بخمسمائة ألف درهم ، وعروض بمائة ألف درهم . وكان يزيد يتصنّع لابن الحنفيّة ويسأله عن الفقه والقرآن . فلمّا جاء ليودّعه قال له : يا أبا القاسم ، إن كنت رأيت منّي خلقا تنكره نزعت عنه وأتيت الذي تشير به عليّ . فقال : واللّه لو رأيت منك منكرا ما وسعني إلّا أن أنهاك عنه وأخبرك بالحقّ للّه فيه ، لما أخذ اللّه على أهل العلم من أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه . وما رأيت منك إلّا خيرا . [ مبدأ فتنة ابن الزبير ] وشخص من الشام حتى ورد المدينة . فلمّا وثب الناس بيزيد وخلعوه ومالوا إلى عبد اللّه بن الزبير ، وأتاهم مسلم بن عقبة المرّي في أهل
--> ( 1 ) موزعا : مفعول من أوزعه بالشيء : أغراه به . ( 2 ) مرّت ترجمة عبد اللّه بن الزبير برقم 1481 . ( 3 ) قصبه بوزن ضرب : منعه الماء ، وجدّبه : أضعفه .