المقريزي
76
المقفى الكبير
أصلّي إليها وقد انحرفت لي عن مكان فسيح محفوف من جانبيه بأشجار ، وثلاث جوار عليهنّ ملابس ملوّنة ، وبعضهنّ تتبع بعضا ، وفي يد الثالثة منهنّ إناء . فعند ما وصلن إليّ وقفت الأولى بين يديّ وتناولت الإناء وأطعمتني منه . فذهب ما كنت أجده من الجوع وغيره . ثمّ أصبحت ومضيت إلى الدكّان على عادتي . فأخذ المعلّم يسألني عن سبب غيبتي ، فأخبرته بما خطر لي عند سماع الحكاية من الشيخ وبما جرى لي . فقبض على يدي ومضينا إلى الشيخ فأخبرته القصّة . فبكى وقال : كم بين [ من ] يطعمه الناس وبين من يطعمه اللّه تعالى ! ثمّ عدت [ 59 أ ] إلى الدكّان ، وإذا بشخص يبيع أرزا بلبن فاشترى منه المعلّم وغصّبني على الأكل ، فأكلت وذهب ما كنت أجده من الاستغناء عن الطعام ، وعدت إلى حالتي المعهودة لكوني لم أجد مربّيا يربّيني . ثمّ لزمت الخير بعدها . وذكر أنّ شيخه أبا إسحاق إبراهيم بن طريف - وكان يبيع الفخار - سفّره مرّة في حاجة عرضت له ولم يزوّده ، وكانت طريقا منقطعة بعيدة ، فلمّا وقعت منها في شعراء عظيمة خطر لي أن قلت : ليت شعري ، علام « 1 » أنكلني الشيخ في مثل هذا الطريق ؟ فأنا في ذلك إذ سمعت بحسّ على الأوراق اليابسة في الطريق من ورائي ، فالتفتّ فإذا الشيخ يناولني رغيفا ، فأخذته وأكلت منه . فلمّا عدت من سفرتي قال لي ، يشكرني على قضاء الحاجة : ما قصّرت ، ولكن كان قلبك قلبا نحسا . واتّفق أنّه انبسط معي يوما بعد ذلك ووجدت سبيلا لسؤاله عن الواقعة ، فقلت له : أنت تعلم الذي أريد [ أن ] أسألك عنه ، فلا حاجة إلى ذكره . فقال لي : يا محمّد ، وقع لك أنّني منحصر في الدكّان - يعني دكّانه التي يبيع بها الفخّار - فسمعتها وسكتّ . وقال الإمام علم الدين أبو الحسن عليّ بن محمد السخاوي : كان الشيخ أجذم مكفوفا ، فدخلت عليه يوما وإذا الخادم الذي له يشير إليّ بيده ، بحيث لا يسمع الشيخ ، أن لا أدخل . فبينا نحن كذلك [ إذ ] صاح الشيخ عليه وقال : دعه ! - فدخلت وقبّلت يده وانبسط معي ، وقال : ما أعجب الناس ! جاءني رجل وقال لي : لعلّك أن تعطيني الختم الذي تختم به على الدراهم حتى أختم به على دراهمي تبرّكا ؟ فقلت له : ما أعجبك ! من تكون هذه يديه « 2 » يختم بماذا ؟ وقال لي : احضر « 3 » على الكيمياء . - ثمّ قال لي عقيب هذا الكلام : من أنكر أنّي أنفق من القدرة فقد جهل ، ( قال السخاوي ) : وكنت إذ ذاك أقرأ على الشيخ الشاطبيّ رحمه اللّه . فقال لي يوما وقد رأى ميلي إلى ملازمة الشيخ القرشيّ : يا أبا الحسن ، أنت رجل ربّ عيال وأولاد وقد علمت فضيلة التسبّب ولم تجهل فرق ما بين العالم والعابد - وفاوضني في ذلك . فلمّا أصبحت من الغد مضيت إلى مصر أزور الشيخ ومعي صاحب لي ، وتحدّثنا فيما حدّثني به الشيخ الشاطبيّ وتفاوضنا فيه مسافة طريقنا من [ 59 ب ] القاهرة إلى مصر ، فلمّا دخلت على الشيخ أخذت يده أقبّلها على جاري العادة . فرمى يده عن يدي وقال : أنت الفقيه العالم ! - قول مغضب - يا فقيه الهمّ ، ما سمعت ما حكي عن سهل أنّه وقف على بقعة ما
--> ( 1 ) في المخطوط : على ما . ( 2 ) يداه مجذومتان كما سيأتي . ( 3 ) الكلمة مطموسة ، والقراءة تخمين ولعلّها : أحظر .