المقريزي

77

المقفى الكبير

وقد مضى السفر أجمعهم ، ولم يتأخّر سواه . فسئل عن تأخّره ، وقد مضى الناس ، فقال : أنا متحيّر : العلم يأمرني بحمل شيء من هذا الماء والتوكّل ينهاني ، وأنا حائر بين هذين - أهذا علم أم جهل ؟ وقال الحافظ جمال الدين يوسف اليغموري ، ومن خطّه نقلت : وقال لي الشيخ : وما من حال ذكر في الرسالة للقشيري إلّا وقد شاهدته نفسي . وقال لي السخاوي : إنّي أستحي أن أتحدّث عن الشيخ بكلّ ما رأيته خشية أن أكذب - وسكت ثمّ قال : واللّه لقد بتّ ليلة بالقاهرة في بيتي ، وكان الشيخ بمصر فأحسست وأنا نائم ، به ينبّهني ، فانتبهت وإصبع في صدري توقظني . فلمّا اجتمعت به من الغد بمصر ، أوّل ما استقبلني به أن قال : واسوادي منك يا غلام ! إخوانكم يدعون لكم بالليل وأنتم تنامون ! وقال الشيخ العارف شرف الدين أبو محمد عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد اللّه الحسينيّ الحجازيّ : ذكر يوما عند شيخنا علم الدين السخاويّ الشيخ القرشيّ ، فقال لي : اجتمع بالشيخ حسن العجّان وسلّم عليه عنّي وقل له يحكي لك حكايته مع الشيخ القرشيّ . ( قال ) : فاجتمعت بالشيخ حسن كما أمر وبلّغته سلامه وقلت له : أشتهي أن تحكي لي حكايتك مع الشيخ القرشيّ . [ معجزة يده المجذومة ] فقال لي : يا ولدي ، قدمت مع شيخي فلان إلى بيت المقدس وأنا صبيّ ، والشيخ القرشيّ به . وكان شيخي كثير التودّد إليه والاحترام له ، وأنا معه . وكان الشيخ القرشيّ قد أصابه الجذام وتقيّح جسمه ، وكانت نفسي تنفر منه . وكنت أتلو الختمة ولي صوت حسن ، فكان في بعض الأوقات يأمرني بأن أقرأ شيئا من القرآن ويعجبه ذلك . فانقطعت عنه مدّة فسأل شيخي عني ، فقال : حاضر في المكان الذي لنا . فقال : أحبّ أن تأمره أن يقرأ عليّ ختمة . فقال شيخي : السمع والطاعة ! ثمّ جاء إلى المنزل الذي لنا فقال لي : يا حسن ، قد سأل الشيخ القرشيّ عنك اليوم ، وقد سألني أن تقرأ عليه ختمة ، فامض إليه . فقلت : السمع والطاعة ! - وكرهت نفسي ذلك ، ثمّ لم أجد بدّا من الروح إليه فمضيت . فلمّا دخلت عليه - وكان ضريرا - قال : يا حسن أوحشتنا ! لأيّ شيء انقطعت عنّا ، وأنا تعجبني قراءتك ؟ فاعتذرت إليه ، ثمّ قال [ 60 أ ] لخادمه : ائتنا بشيء نأكل ! فأحضر خبزا ولبنا ، فنفرت نفسي من ذلك أشدّ النفور . فقال الشيخ : تقدّم يا حسن حتّى نتمالح معك ! - وأخرج يده فإذا هي أحسن الأيدي ، وليس بها شيء من الجذام الذي كنت أراه . فقال : كل ! - فأكلت ، فلمّا فرغنا من الأكل نظرت إلى يديه وإذا هي كما كانت . فضرب على كتفي وقال : يا حسن ، المغاربة يعرفو [ ن ] السيمياء : لا تغترّ بما ترى ! ( قال ) : فما عدت نفرت منه أبدا رضي اللّه عنه . وكان رضي اللّه عنه قد تزوّج ثلاث زوجات : أولاهنّ يقال لها كفاه ماتت في عصمته ، فتزوّج بعدها بابنة رشيق ، فزار قبرها ذات يوم ، وأخرج من معه عنه ، فسمع وهو يقول عند قبرها : ما تعرفي أنّني مريض ولا أستغني عمّن يخدمني ؟ ما أنا معذور ؟