المقريزي
75
المقفى الكبير
لن يصل إلى مواريث الأعمال من سلك على غير السنّة . اتّباع الرسول أحلى في قلوبهم من كلّ لذّة وأرفع عندهم من كلّ حال . العوائد جند من جنود اللّه المبثوثة . كيف يدعو إلى التأدّب من لم يلابس الآداب ، أم كيف يدعو إلى التوحيد من هو محجوب بوجود الأسباب ؟ [ وقال ] : من كان واسطة بين اللّه وخلقه ينبغي له أن يرعى حقوقهم ولا يهمل أسبابهم . من أظهر الفاقة للّه أخذ بيده . إذا رأيتم الرجل قد ظهرت عليه خوارق العادات ، فلا تلتفتوا إليها ، ولكن انظروا كيف هو عند الأمر والنهي . إذا تعوّد المريد النظر إلى أيدي الخلق لا يجيء منه شيء . وقال : دخلت على الشيخ أبي محمد عبد اللّه المغاوريّ فقال لي : أعلّمك شيئا تستعين به : إذا اجتمعت إلى شيء : يا واحد ، يا أحد ، يا واحد يا جواد ، انفحنا منك بنفحة خير إنّك على كلّ شيء قدير . ( قال ) : فأنّا أنفق منها منذ سمعتها . [ دخوله في الطريقة ] وكان سبب بدايته أنّه كان خزّازا في بلده أجيرا عند معلّم . ( قال ) : فكنت أرى المعلّم يغيب عن الدكّان ولا أعلم أين يمضي . فسألته يوما عن سبب غيبته فقال : أحضر مجلس [ . . . ] أسمع منه الخير . فقلت له : فهلّا أخذتني يوما معك ؟ فأخذني ومضى إليه ، فدخلنا عليه ، وهو يتحدّث في سبب بدايته أنّه كان ذا مال كثير وعقار ، وربّما هجس في نفسه [ 58 ب ] أنّ ماله وسببه هو الذي يرزقه . ( قال ) : فلمت نفسي يوما على هذا الخاطر ، وقلت : يا نفس ، تعتقدين أنّ اللّه لا يرزقك ، وأنّك ترزقين بمالك وتسبّبك - وقوي عزمي على القعود والخلوة في مغارة كانت عندي في داري ، وأن لا أتناول مطعوما ولا مشروبا من مالي ، وأقطع آمالي ممّا هو لي حتّى انظر ما يفعل اللّه بي . ( قال ) : فجلست في المغارة يومين لا آكل ولا أشرب ، فلمّا كان في اليوم الثالث استؤذن عليّ لبعض وكلائي ، فدخل ومعه باكورة تين من بعض بساتينه ، فقال : يا مولاي ، قد خصصتك بهذه . - فخطر لي أن أتناول منها . فقلت : أليست من سبب مالي ، ولا فرق بين مالي وبين هذه ؟ - فصرفت عزمي عن الأكل . واستصحبت الحال إلى آخر النهار ، وإذا برجل ليس من أهل ملّتي كنت أسمع به ولم أره ، وقد استأذن عليّ ، فأذنت له فسلّم عليّ وجلس ، وقال : يا سيّدي قد اشتريت جارية طبّاخة بجملة من المال لأجل صناعتها ، وأنا كما علمت حديث في النعمة لا أعرف الألوان التي تجتبون « 1 » أمثالها ، ولا جودة ما يصنع من رداءته . وقد صنعت ألوانا تعرضها عليّ ، فإن رأيت الحضور إلى منزلي لتنظر ما صنعت ، فإنّك به خبير ، فعلت . فقلت في نفسي : هذا ليس من مالي ولا بسببه . ومضيت معه ، فأحضر ألوانا كثيرة وأطعمة شتّى فأكلت منها . وخرجت من عنده ، ففرّقت أموالي أوّل أوّل ولزمت الطريق . قال الشيخ القرشيّ : فعند ما سمعته يتحدّث بهذا ، خطر لي أن أعتزل في بيتي وأفعل كما فعل . فمكثت عشرة أيّام لا آكل ولا أشرب ، وأنا أصلّي في البيت مستقبل القبلة ، وكنت قبلها لا ألمّ بالصلاة . فلمّا كان اليوم العاشر رأيت الجهة التي
--> ( 1 ) تجتبون بمعنى تختارون .