المقريزي
56
المقفى الكبير
والقاهرة لولاية القضاء ، ويفرد كلّا منهم على حدة حتّى لا يعرف واحد منهم أنّه استدعى غيره . ففعل ذلك ، وطلب السلطان الجماعة واحدا واحدا ، وسأل كلّ واحد عن الآخر هل يصلح لولاية القضاء ، فما منهم إلّا من يقع فيمن ذكر له ، ويذمّه بأقبح ذمّ حتّى أتى على الجميع ، ولا علم لأحد منهم بطلب غيره . فتحيّر السلطان في أمره [ 45 ب ] وفاوض الوزير فيه وتعجّب كيف لم يجد بديار مصر من يصلح للقضاء . فقال : أعرف رجلا يصلح للقضاء ، ولا يعرف فقهاء مصر ولا يعرفونه ، وهو بدر الدين ابن جماعة خطيب القدس . فبعث البريد في طلبه يوم التاسع من شهر رمضان سنة تسعين وستّمائة ، فقدم به يوم الأربعاء حادي عشره . وأفطر عند الوزير ليلة الخميس وصار به إلى قلعة الجبل من الغد ، ففوّض له السلطان قضاء القضاة بديار مصر وتدريس المدرسة الصالحيّة وخطابة الجامع الأزهر من غير أن يخلع عليه ، ونزل فكتم ذلك . وأفطر ليلة الجمعة عند الوزير فخاطبه بقاضي القضاة ، فتناقل الناس ولايته ، واستدعى الوزير القضاة وأخبرهم باستقرار ابن جماعة في القضاء ، فهنّئوه ، وخرج . فأتاه التقليد مع عزّ الدين عمر بن عبد اللّه بن عمر بن عوض المقدسيّ الحنبليّ . فلبس الخلعة يوم الجمعة ثالث عشره ، وركب بها إلى دار الوزير حتى سلّم عليه وسار من عنده بالخلعة إلى الجامع الأزهر ، فخطب الناس وصلّى بهم الجمعة . ورسم له ولبقيّة قضاة القضاة الثلاث [ ة ] بلبس الطرحة فلبسوها ، ثمّ تحوّل إلى المدرسة الصالحيّة بين القصرين بالقاهرة في يوم الجمعة خامس عشرينه ، ودرّس بها يوم الأحد ثاني عشر شوّال . فلمّا خطب الناس بقلعة الجبل الخليفة الحاكم بأمر اللّه أحمد في يوم الجمعة خامس عشر شوّال منها ، تقدّم قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة بعد فراغه من الخطبة وصلّى بالسلطان والنّاس صلاة الجمعة . واستمرّ يخطب بالقلعة ، واستناب عنه في خطابة الجامع الأزهر صدر الدين عبد البرّ بن رزين . ولم يزل على القضاء إلى أن صرف عنه بتقيّ الدين ابن بنت الأعزّ في تاسع عشرين صفر سنة ثلاث وتسعين بعد قتل الأشرف وابن السلعوس . وعوّض عن القضاء بتدريس المدرسة الناصريّة بجوار قبّة الإمام الشافعيّ بقرافة مصر ، وتدريس المشهد الحسينيّ بالقاهرة . ثمّ ولي قضاء دمشق بعد موت شهاب الدين محمد بن أحمد الخويّيّ في [ . . . ] رمضان منها . وأضيفت إليه خطابة الجامع الأمويّ في نصف شوّال ، فاستمرّ إلى أن صرف عن القضاء بإمام الدين عمر القزوينيّ في رابع جمادى الأولى سنة ستّ وتسعين وبقي على خطابة الجامع وتدريس القيمريّة . ثمّ أعيد إلى القضاء بعد موت القزوينيّ في نصف شعبان سنة تسع وتسعين . وأضيف إليه مشيخة الشيوخ [ 46 أ ] بعد موت شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف بن حمويه في ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعمائة . فلمّا مات قاضي القضاة تقيّ الدين محمد ابن دقيق العيد طلب إلى القاهرة وأعيد إلى قضاء القضاة مرّة ثانية في [ . . . ] شعبان سنة اثنتين وسبعمائة . فلم يزل على قضاء القضاة بالديار المصريّة إلى أن صرفه الملك الناصر محمد بن قلاوون بجمال الدين سليمان بن عمر الزرعيّ في آخر صفر سنة عشر وسبعمائة . ثمّ أعاده مرّة ثالثة في حادي عشرين ربيع الآخر سنة إحدى عشرة عوضا عن الزرعي ، وولّى الزرعيّ قضاء العسكر . فلمّا أنشأ السلطان الجامع الجديد الناصريّ خارج مدينة مصر ، ولّاه الخطابة به . فطالت ولايته