المقريزي

57

المقفى الكبير

هذه ، وشاخ وأضرّ وثقل سمعه ، فطلب الإعفاء من القضاء في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين . وحضر دار العدل يوم الاثنين عاشر جمادى الآخرة وكرّر السؤال في الإعفاء . فأجابه السلطان جوابا ليس فيه تصريح ، ورسم له في المجلس أن يحكم بين الأمير بكتمر الحاجب وغرمائه ، فحكم بينهم بالمدرسة الصالحيّة ، وقال لمن حضره : هذا آخر الحكم ! ومضى إلى داره تجاه الجامع الجديد بمصر ، فرتّب له السلطان من مال المتجر السلطانيّ مبلغ ألف درهم في كلّ شهر ، وأمر بإحضار الجلال محمد القزويني ليلي القضاء . فلزم ابن جماعة داره إلى أن مات في ليلة الاثنين حادي عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ، ودفن بالقرافة . وكان قد كثر ماله وتعفّف عن أخذ المعلوم السلطانيّ على القضاء ، وباشره أخيرا بغير معلوم . وكان يخطب من إنشائه . وصنّف كتاب مناسك الحجّ ، وكتاب علوم الحديث ، وكتابا نحا فيه نحو السهيليّ في كتاب التعريف والإعلام « 1 » وزاد عليه ، وكتابا في الكنائس وأحكامها . وخرّج له أهل الحديث عوالي ومشيخات ، وخرّج هو لنفسه أيضا أربعين حديثا تساعيّا « 2 » . وكان عارفا بطرائق الصوفيّة ، وقصد بالفتوى من الأقطار . وتفرّد في وقته برواية أشياء وتفرّد أيضا بالفتوى ، وأقام زمانا يفتي . وكان رئيسا متودّدا ليّن الأخلاق عفيفا عن الأموال ، زاهدا فيما في أيدي الناس . وحجّ مرارا كثيرة ، وانتفع الناس بعلمه وإحسانه . وذكر [ 46 ب ] أنّ الشيخ محيي الدين يحيى النوويّ رحمه اللّه وقف له على فتوى فاستحسن ما كتبه . ومرّ يوما بمصر فقال له الشيخ أبو الحسن الأوسيّ : اللّهمّ أزل عن المسلمين من يكرهونه ! - فقال : آمين ! - ثمّ قال لمن معه : إنّه يقصدني ، والناس معذورون [ فإنّي ] ثقلت عليهم لطول ولايتي المنصب ، وغرضهم قاض جديد وحاشية جديدة . ودخل عليه مرّة النصير الحمامي الشاعر يسأل صرف مرتّبه على الأوقاف ، فامتنع من صرفه . فخرج عنه وأتاه بدرج ورق فيه مائة وصل وبأوّله [ المجتث ] « 3 » : قاضي القضاة المفدّ * ى صحب الأمور المطاعة سألته عن أبيه * فقال أنا ابن جماعة فنظر إليه ثمّ أطرق ووصله بمال وثياب وتغاضى عنه . وهجاه الشهاب أحمد بن عبد الدائم الشارمساحيّ بقصيدة سينيّة قد ذكرتها في ترجمته « 4 » . وكتب رسالة في معرفة العمل بالأسطرلاب ، وقرأها عليه شخص بدمشق ، فقال له : إذا جئت تقرأ في هذه فاكتمه فإنّ اليوم جاءني مغربيّ وقال : رأيت اليوم واحدا يمشي وفي كمّه آلة الزندقة - يعني الأسطرلاب [ . . . ] « 5 » . ومن شعره [ الكامل ] : يا لهف نفسي لو تدوم خطابتي * بالجامع الأقصى وجامع جلّق ما كان أهنأ عيشنا وألذّه * فيها ، وذاك طراز عمري لو بقي

--> ( 1 ) التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام للسهيلي ( ت 581 ) : كشف الظنون 1 / 421 . ( 2 ) التساعيّات هي الأحاديث التي رواها تسعة رواة تباعا ، وفي كشف الظنون 403 ذكر لتساعيّات العزّ ابن جماعة . ( 3 ) النصير الحمّامي نصير بن أحمد المناوي : أعيان العصر 5 / 503 . قال : « كان يرتزق في مصر بضمان الحمّامات » . والبيتان فيهما خلل . وفي الفوات 4 / 205 ( 551 ) أنّه توفّي سنة 712 . ( 4 ) ترجمة الشارمساحيّ مرّت برقم 465 ، ولكنّ القصيدة لم تنقل فيها . فهل يعني هذا أنّ ناسخ مخطوط السليميّة قد أسقطها ؟ ( 5 ) بعد هذا بياض بنحو سبعة أسطر .