المقريزي
251
المقفى الكبير
الأموال وسيّرهم إلى جهة سيس فساروا على كره . فلمّا دخلت سنة ثمان وسبعين قرّر الخاصّكيّة مع السعيد القبض على الأمراء عند عودهم من غزاة سيس وعيّنوا أخبازهم لأقوام منهم . فاطّلع النائب كوندك على هذا ، واستغرق السعيد في لذّاته مع خواصّه وبسط يده بإعطاء الأموال الكثيرة لهم وخالف طريقة أبيه . وأطلق لمملوك منهم ألف دينار فتوقّف النائب كوندك فيها ولم يمضها ، فاجتمع إليه الخاصّكيّة وفاوضوه في ذلك وأسمعوه كلاما قبيحا وقاموا عنه على غيظ . وصاروا إلى السعيد وأرادوا منه عزل كوندك عن النيابة ، فلم يوافقهم ، فألحّوا عليه حتى عزله . وخرجوا إليه ليمسكوه أو يقتلوه ، فحماه عنهم سنقر الأشقر وأخذه عنده فأقام سبعة أيّام . وخرج إليه مرسوم بإمرة أربعين فارسا بحلب . وأمّا الأمراء فإنّهم غزوا سيس وقتلوا وسبوا ، وعبر الأمير بيسري إلى قلعة الروم ، وعاد هو والأمراء إلى دمشق . فخرج إليهم كوندك وحدّثهم بما وقع ، وأنّ العزم قد قوي على القبض عليهم وحلف لهم على ذلك . فحرّك قوله ما عندهم من الإحن على السعيد ، وبعثوا من عذراء « 1 » إلى السعيد أن يفرّق عنه الصبيان ويرسل إليهم لاجين الزينيّ . فلم يعبأ بقولهم . وكتب إلى من معهم من الظاهريّة يأمرهم بمفارقة الصالحيّة وعبور دمشق . فوقع حامل الكتب في أيديهم وأخذوا منه الكتب . وعندما وقفوا عليها أظهروا الخلاف وساروا إلى الجسور من جهة داريّا ، وأعلنوا بذمّ السعيد وأنّه قد أسرف وأفرط في سوء الرأي وأفسد التدبير . فلمّا بلغه ذلك خاف ، وكان لم يتأخّر عنده من الأمراء سوى الأمير سنقر الأشقر ، والأمير عزّ الدين أيدمر نائب الشام ، والأمير علم الدين سنجر الحلبيّ الكبير ، فبعث إليهم الأمير سنقر الأشقر فعاد من غير أن يبلغ منهم غرضا . فزاد قلقه وتردّدت الرسل بينه وبينهم وهم لا يرضون بالدخول إليه . فبعث إليهم أمّه مع سنقر الأشقر ليسترضيهم [ 174 ب ] فلم يصغوا لقولها ولا انخدعوا لخضوعها ، وعادت خائبة . فرحل الأمراء بمن معهم إلى مصر فلم يثبت السعيد وخرج بنفسه في آثارهم جريدة ليتلافى أمرهم فلم يدركهم . فعاد إلى دمشق وبات بها . وأصبح وجهّز أمّه وخزائنه إلى الكرك وسار من دمشق يوم الجمعة ثامن ربيع الأوّل واستدعى العساكر الشاميّة والعربان وأنفق فيهم ، فلمّا وصل غزّة ، تسلّل أكثر العربان . وسار إلى بلبيس فنزلها في نصف ربيع الأوّل ، وقد سبقه الأمراء إلى القاهرة ونزلوا تحت الجبل الأحمر . فلمّا بلغ الأمراء الذين بقلعة الجبل نزولهم ، امتنعوا من تسليمها وحصّنوها . وكان بها الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم أمير جاندار ، والأمير أقطوان الساقي ، وبلبان الزريقيّ . فنزل إلى الأمراء أيبك الأفرم وأقطوان في أصحابهما ليعرفوا الخبر . فقبضوا عليهما وبعثوا بهما إلى القاهرة فسجنا بدار الأمير قلاوون ، وفتحوا أبواب البلد وعبر كلّ أحد إلى داره . وزحفوا إلى القلعة وحصروها وقد امتنع بها بلبان الزريقيّ ، فلمّا بلغ ذلك السعيد وهو في بلبيس خامر عليه من معه من عساكر الشام وعادوا إلى دمشق ، ولم يبق مع السعيد إلّا مماليكه وخواصّه ، ومن الأمراء الأكابر سنقر الأشقر فقط . فسار من بلبيس إلى المطريّة ، ففارقه سنقر الأشقر واعتزل عنه وعن الأمراء . فبلغ الأمراء مسير السعيد على طريق الجبل الأحمر ، فركبوا ليحولوا بينه وبين القلعة . وكان الضباب في هذا اليوم
--> ( 1 ) عذراء بالغوطة ( ياقوت ) .