المقريزي
252
المقفى الكبير
متراكما بحيث إنّ الفارس لا ينظر من يسايره . فنجا منهم واستتر عن رؤيتهم وطلع القلعة . فلمّا انكشف الضباب بلغ الأمراء أنّه في القلعة ، فزحفوا إلى حصارها . وعندما استقرّ السعيد بالقلعة تشاجر لاجين الزينيّ مع بلبان الزريقيّ فنزل بلبان إلى الأمراء وصار معهم ، وتبعه المماليك شيئا بعد شيء . فأشرف السعيد من برج الرفرف المطلّ على الإسطبل وصاح : يا أمراء ، [ أنا ] أرجع إلى رأيكم ولا أعمل إلّا ما تقولو [ ن ] ه ! فلم يجبه أحد منهم ، وأظهروا كتبا عنه تطلب جماعة من الفداويّة لقتلهم . فلم يزل الحصار بالقلعة مدّة أسبوع . وكان القائم بهذا الحرب الأمير بيسري ، والأمير قلاوون ، والأمير أيتمش السعديّ ، والأمير أيدكين البندقدار ، والأمير بكتاش الفخريّ أمير سلاح ، والأمر بيليك الأيدمريّ ، في غيرهم من الأمراء والمقدّمين والمغاربة والبحريّة . فلمّا طال [ 175 أ ] الحصار ، بعث الخليفة الحاكم بأمر اللّه أحمد يقول : يا أمراء ، ما غرضكم ؟ فقالوا : يخلع السعيد نفسه من الملك ونعطيه الكرك . فأذعن السعيد لذلك وحلف له الأمراء ، وحضر الخليفة والقضاة والأعيان . وأنزل السعيد من القلعة في سابع ربيع الآخر وأشهد عليه أنّه لا يصلح للملك وأنّه قد خلع نفسه . وحلف أنّه لا يتطرّق إلى غير الكرك ولا يكاتب أحدا من نوّاب السلطنة ولا يستميل أحدا من الأجناد . وس [ ا ] فر من وقته إلى الكرك ومعه أخوه الملك المسعود « 1 » نجم الدين خضر في مائة فارس . فكانت مدّة ملكه بعد أبيه سنتين وشهرين وثمانية أيّام . فوصل إلى الكرك وتسلّمها في خامس عشر جمادى الآخرة فأقام بها . وملك أخوه بدر الدين سلامش « 2 » ثمّ خلع ، وقام في السلطنة الملك المنصور قلاوون . فبلغه أنّ الملك السعيد قد كاتب النوّاب واستولى على الشوبك فبعث إليه كتابا ينهاه عن ذلك فلم ينته ، فجرّد إليه الأمير بدر الدين بيليك الأيدمريّ على جيش في تاسع شوّال سنة ثمان وسبعين ، فأخذ الشوبك بعد حصار في عاشر ذي القعدة . فاتّفق أنّ الملك السعيد ركب بميدان الكرك للّعب بالكرة فتقطّر عن فرسه ، فصدع وحمّ أيّاما ومات في يوم الخميس عاشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستّمائة - وقيل : في ثالث عشره ، وقيل : في ثامن عشره . فلمّا ورد الخبر بوفاته في العشرين منه ، عمل له الملك المنصور عزاء عظيما بإيوان قلعة الجبل وجلس كئيبا ببياض ، واجتمع الأمراء والقضاة والأعيان والقرّاء والوعّاظ فكان يوما مشهودا ، وكتب إلى سائر الممالك بالصلاة عليه . وكان ملكا جوادا فيه لين ومحبّة لفعل الخير . أزال في أيّامه عدّة مظالم وأبطل جهات من المكوس . ثمّ إنّه نقل من الكرك إلى دمشق فوصلت به أمّه في ثامن عشرين ربيع الآخر سنة ثمانين وستّمائة ، فرفع من خارج سور دمشق ودلّي إلى المدينة ، وحمل إلى مدرسة أبيه في الليل فوضع معه في قبره . وألحده القاضي عن الدين [ . . . ] ابن
--> ( 1 ) في المخطوط : السعيد . ( 2 ) العادل سلامش تسلطن ثلاثة أشهر وخلعه قلاوون . الدليل الشافي 315 ( 1071 ) . أمّا المسعود خضر فملك الكرك بعد أخيه السعيد ، الدليل 288 ( 988 ) .