المقريزي

225

المقفى الكبير

وقال الربيع : لمّا قدم الشافعيّ مصر ، واجتمع الناس إليه ، نظر [ 171 أ ] إليّ ، فقال لي : يخفّ عليك يا بنيّ أن تبلغ إلى أبي زكير ، فتأخذ لنا منه الدنانير - وكان قد باع فرسا له بستّين دينارا . فقلت له : إيه واللّه ! على الرأس والعين ! فقال : اذهب ، صانك اللّه وعلّمك خيرا ! فأخذت الستّين دينارا ، ثمّ رجعت وقلت له : هذه الدنانير . فقال لي : أمسكها معك ! فتركتها معي . فلمّا طال مجلسه انصرفت إلى منزلي . ثمّ عدت ، فقال لي : نفقتنا معك ، فذهبت وتركتنا ! فلمّا قام إلى منزله ، اتّبعته حتى دخل المنزل ، وقعدت على الباب . فكتب إليّ رقعة : إن رأيت أعزّك اللّه أن تشتري لنا بكذا وكذا - ولم أعرف من هذا قبل ذلك شيئا - فكان هذا مبتدأ أمري معه . ولقد وافق نزول الشافعيّ يوما ، وأنا أكتب حسابه ، فلاحظني وقال : لا تفسد قرطاسك ! واللّه لا نظرت لك في حساب أبدا ! وقال الربيع : واللّه ما اجترأت أن أشرب الماء ، والشافعيّ ينظر إليّ ، هيبة له . وقال : كان أصحاب مالك يفخرون ، ويقولون إنّه يحضر مجلس مالك نحو من ستّين معمّما - واللّه لقد عددت في مجلس الشافعيّ ثلاثمائة معمّم ، سوى من شذّ عنّي . [ فراسة الشافعيّ ] وقال الحميديّ : قال محمد بن إدريس الشافعيّ : خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة ، حتّى كتبتها وجمعتها ، فلمّا حان انصرافي مررت على رجل في طريقي ، وهو محتب بفناء داره ، أزرق العينين ، ناتئ الجبهة - قال الشافعيّ : وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة ! - فقلت له : هل من منزل ؟ فقال : نعم . فأنزلني ، فرأيت أكرم رجل : بعث إليّ بعشاء طيّب ، وعلف لدابّتي ، وفراش ولحاف . فجعلت أتقلّب الليل أجمع وأقول : ما أصنع بهذه الكتب ، إذ رأيت النعت في هذا الرجل ، فرأيت أكرم رجل ؟ فقلت : أرمي بهذه الكتب ! فلمّا أصبحت قلت للغلام : أسرج ! فأسرج ، وركبت ، ومررت عليه وقلت له : إذا قدمت مكّة فمررت بذي طوى ، فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعيّ . فقال لي : أمولى لأبيك أنا ؟ قلت : لا . قال : فهل كانت لك عندي نعمة ؟ قلت : لا . قال : أين ما تكلّفت لك البارحة ؟ قلت : وما هو ؟ قال : اشتريت لك طعاما بدرهمين ، وإداما بكذا ، وعطرا بثلاثة دراهم ، وعلفا لدابّتك بدرهمين ، وكراء الفراش واللحاف : درهمين . قلت : يا غلام أعطه ! فهل بقي من شيء ؟ قال : كراء المنزل ، فإنّي وسّعت لك وضيّقت على نفسي . قال الشافعيّ : فربطت نفسي بتلك [ 171 ب ] الكتب ، فقلت له بعد ذلك : هل بقي من شيء ؟ فقال : امض ، خزاك اللّه ! فما رأيت أشرّ منه . * * *