المقريزي

226

المقفى الكبير

وقال الربيع : اشتريت للشافعيّ طيبا بدينار ، فقال : ممّن اشتريت ؟ قلت : من ذاك الأشقر . فقال : أشقر أزرق ! ردّه ! ما جاءني خير قطّ من أشقر ! وعن حرملة : سمعت الشافعيّ يقول : احذر الأعرج ، والأحول ، والأعور ، والأحدب ، والأشقر ، والكوسج « 1 » ، وكلّ من به عاهة في بدنه ، وكلّ ناقص الخلق فأحذره ، فإنّه صاحب التواء ، ومعاملته عسيرة . وقال مرّة : فإنّهم أصحاب خبّ « 2 » . * * * وقال الربيع : كنت عند الشافعيّ وأنا والمزنيّ وأبو يعقوب البويطيّ ، فنظر إلينا وقال للمزنيّ : هذا لو ناظر الشيطان لقطعه وخذله . وقال للبويطيّ : أنت تموت في الحديد . ( قال الربيع : ) فدخلت على البويطيّ أيّام المحنة فرأيته مقيّدا إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه . * * * قال الربيع : كنت في الحلقة إذ جاءه - يعني الشافعيّ - رجل فسأله عن مسألة ، فقال له الشافعيّ : أنت نسّاخ ! قال : عندي أجزاء . * * * ( قال : ) وجاز أخي في صحن المسجد . فقال لي الشافعيّ : يا ربيع ، أتريد أخاك ؟ - ولم يكن رآه قطّ . قلت : نعم ، أيّدك اللّه . قال : هو ذاك . فكان أخي . [ أقوال للشافعيّ مأثورة ] وقال ابن أخي ابن وهب : ما رأيت محدّثا ولا فقيها أكثر حفظا للحكايات والأسمار من الشافعيّ . قال المزنيّ : سمعت الشافعيّ يقول : من لا يحبّ العلم فلا خير فيه ، ولا يكون بينك وبينه معرفة ولا صداقة . وقال : تعلّموا ممّن هو أعلم منكم ، وعلّموا من أنتم أعلم منه ، فإذا فعلتم ذلك علمتم ما جهلتم وحفظتم ما علمتم . وقال الأصمعيّ : سمعت الشافعيّ يقول : أصل العلم التثبّت ، وثمرته السلامة . وأصل الورع القناعة ، وثمرته الراحة . وأصل الصبر الحزم ، وثمرته الظفر . وأصل العمل التوفيق ، وثمرته النجاح . وغاية كلّ أمر الصدق . وقال : الطبع أرض ، والعلم بذر ، ولا يكون العلم إلّا بالطلب ، فإذا كان الطبع قابلا أزكى ربع العلم ، وتفرّعت مغانيه . وقال : العاقل يسأل عمّا يعلم وعمّا لا يعلم ، فيثبت فيما يعلم ، ويتعلّم ما لا يعلم . والجاهل يغضب من التعليم ويأنف من التعلّم . وقال الربيع : سمعت الشافعيّ يقول : من قرأ القرآن عظمت قيمته . ومن تفقّه نبل قدره ، ومن كتب الحديث قويت حجّته . . . « 3 » .

--> ( 1 ) الكوسج : هو القليل شعر العارضين ، تنبت اللحية على ذقنه فقط . ( 2 ) الخبّ بالفتح والكسر : الخداع والتغرير والنفاق . ( 3 ) هكذا تنتهي الترجمة بغتة ، وعبارة « حجّته » تعليقة في أسفل اللوحة تبشّر بالبقيّة ، ولكنّ اللوحة الموالية فيها ترجمة أخرى .