المقريزي
212
المقفى الكبير
- وهجرته منذ يومئذ . * * * وقال المزنيّ : لمّا وافى الشافعيّ مصر ، قلت في نفسي : إن كان أحد يخرج ما في ضميري ويعلق به خاطري من أمر التوحيد ، فهو ! فصرت إليه وهو جالس في مسجد مصر ، فلمّا جثوت بين يديه قلت له : إنّه قد هجس في ضميري مسألة في التوحيد ، فعلمت أنّ أحدا لا يعلم علمك . فما الذي عندك ؟ فغضب ، ثمّ قال لي : أتدري أين أنت جالس ؟ قلت : نعم ، أنا جالس بفسطاط مصر في مسجد ما بين أيدي أبي عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعيّ . قال : هيهات ! إنّك بثارات وحثيلات يضرّ بك تياره « 1 » وأنت لا تعلم . وهذا هو الموضع الذي غرق فيه فرعون . أبلغك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بالسؤال عن ذلك ؟ قلت : لا . قال : هل تكلّم فيه الصحابة ؟ قلت : لا . قال : تدري كم نجم [ ا ] في السماء ؟ قلت : لا . قال : فكوكب من هذه الكواكب التي تراها ، تعرف جنسه وطلوعه وأفوله ، ممّ خلق ؟ قلت : لا . قال : فشئ تراه بعينك [ وهو ] خلق ضعيف من خلق اللّه لست تعرفه ، تتكلّم في علم خالقه ؟ ثمّ سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ، ففرّعها على أربعة أوجه ، فلم أصب في شيء منها . فقال لي : شيء تحتاج إليه في اليوم مرارا خمسا تدع تعلّمه ، وتتكلّف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك ! ؟ فارجع إلى اللّه وإلى قوله عزّ وجلّ : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لآيات [ البقرة : 163 ، 164 ] ، فاستدلّ بالمخلوق على الخالق ، ولا تتكلّف علم ما لا يبلغه عقلك . فقلت : قد تبت إذا عدت لذلك . * * * وعن إسحاق بن راهويه : اجتمعت مع الشافعيّ بمكّة ، فسمعته يقول عن كراء بيوت مكّة فقلت : أسألك هذه المسألة لا أجاوز بك إلى [ 163 ب ] غيرها . قال : ذاك أقدر لك . وفي رواية : جالست الشافعيّ بمكّة ، فأذكرنا في [ كراء ] بيوت مكّة ، وكان يرخّص فيه وكنت لا أرخّص فيه . فذكر الشافعيّ حديثا وسكت . وأخذت أنا في الباب أسرد . فلمّا فرغت منه قلت لصاحب لي من أهل مرو بالفارسيّة : « مردك مالا نيست » ( قرية بمرو ) . فعلم أنّي راطنت صاحبي بشيء هجّنته فيه . فقال لي : أتناظر ؟ قلت : وللمناظرة جئت . قال : قال اللّه عزّ وجلّ : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ * : أنسبت الديار لمالكيها أم لغير مالكيها ؟ وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكّة : من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، وهل ترك لنا عقيل من رباع ؟ « 2 » - فنسب الديار إلى
--> ( 1 ) كلمات غير مفهومة . ( 2 ) انظر سير أعلام النبلاء 10 / 69 هامش 1 تخريج هذا الحديث .