المقريزي
178
المقفى الكبير
أعجبه حسن قراءتي وإعرابي ، فيقول لي : باللّه يا فتى ، زد ! حتّى قرأته في أيّام يسيرة . ثمّ أقمت بالمدينة إلى أن توفّي مالك بن أنس . [ ترحيله من اليمن إلى بغداد بتهمة التشيّع ] ثمّ خرجت إلى اليمن وأقمت بها ، وارتفع لي بها الشأن . وكان بها وال من قبل هارون الرشيد ، وكان ظلوما غشوما ، فكنت ربّما آخذ على يده وأمنعه من الظلم . وكان باليمن شيعة من العلويّة قد تحرّكوا . فكتب والي هارون إلى هارون : إنّ هنا شيعة من العلويّة قد تحرّكوا ، وإنّي أخاف أن يخرجوا ، وههنا [ 123 أ ] رجل من ولد شافع بن عبد المطّلب لا أمر لي معه ولا نهي . فكتب إليه هارون أن احمل هؤلاء واحمل الشافعيّ معهم ! ( قال ) : فاقترنت معهم ، فلمّا أن قدمنا على هارون - قال الشافعيّ : فحدّثني بعض أصحابنا من أهل العلم عن محمد بن زياد المدنيّ ، وكان نديم مجلس هارون ، فقال : كنت جالسا عند هارون حين أدخل عليه الطالبيّون والشافعيّ ، وعنده محمد بن الحسن . فدعا هارون بالنطع والسيف لضرب رقاب العلويّة . ( قال ) : ثمّ التفت محمد بن الحسن فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا المطّلبيّ لا يغلبنّك بفصاحته ولسانه ، فإنّه رجل لسن . ( قال ) : فقلت : يا أمير المؤمنين ، فإنّك الداعي ، وأنا المجيب الدعاء ، إنّك القادر على ما تريد منّي ، ولست القادر على ما أريد منك ، يا أمير المؤمنين ، ما تقول في رجلين ، أحدهما يراني أخاه ، والآخر يراني عبده ، أيّهما أحبّ إليّ ؟ قال : الذي يراك أخاه . قلت : كذلك أنت يا أمير المؤمنين . فقال : كيف ذلك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، إنّكم ولد العبّاس ، ونحن بنو المطّلب ، تروننا إخوانكم . وولد عليّ هم يروننا عبيدهم . ( قال ) : فسرّي عليه ما كان به ، واستوى جالسا وقال : يا ابن إدريس ، كيف علمك بالقرآن ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، عن أيّ علومه تسألني ؟ عن حفظه ؟ فقد حفظته ووعيته في جنبيّ ، وعرفت وقفه وابتداءه ، ومكيّه ومدنيّه ، وكوفيّه وبصريّه ، وقد عرفت ناسخه ومنسوخه ، وليليه ونهاريّة ، ووحشيّه وإنسيّة ، وسهليّة وجبليّه ، وما خوطب من العامّ يريد به الخاصّ ، وما خوطب من الخاصّ يريد به العامّ . فقال : واللّه يا ابن إدريس ، لقد ادّعيت ، فكيف علمك بالنجوم ؟ فقلت : إنّي لأعرف منها ما أهتدي به في برّي وبحري ، وما أستدلّ به على أوقات صلواتي في كلّ ممسى ومصبح . قال : فكيف علمك بأنساب العرب ؟ فقلت : إنّي لأعرف أنساب اللئام ، وأنساب الكرام ، ونسبي ونسب أمير المؤمنين . فقال : واللّه لقد ادّعيت علما ، فهل من موعظة تعظ بها ؟ فذكرت موعظة لطاوس اليمنيّ ، فوعظته بها فبكى . ثمّ أمر لي بخمسين ألفا ، وحملت على فرس ، وركبت بين يديه وخرجت ، فما وصلت الباب حتّى فرّقت الخمسين ألفا على حجبة أمير المؤمنين وبوّابيه . فلحقني هرثمة بن أعين - وكان صاحب هارون - بعشرين ألفا ، فقال : خذ هذه واقبلها منّي ! فقلت له : إنّي لا آخذ العطيّة [ 123 ب ] ممّن هو دوني ، وإنّما آخذها ممّن هو فوقي « 1 » . ( قال ) : فوجد في نفسه ، وخرجت كما أنا حتّى
--> ( 1 ) في المخطوط : وأنا آخذها ، ولعلّها : وإن أخذها فإنما . .