المقريزي

179

المقفى الكبير

جئت إلى منزلي . ووجّهت إلى كاتب محمد بن الحسن بمائة دينار وقلت له : اجمع لي الورّاقين الليلة على كتب محمد بن الحسن وانسخها لي ووجّه بها إليّ . فكتبت لي في ليلة ووجّه بها إليّ . [ تعريض الشيبانيّ بأهل الحديث وتصدّي الشافعيّ له ] ثمّ إنّا دخلنا في مجلس أنا ومحمد بن الحسن على هارون ، وكان موضع على باب هارون يجلس فيه القضاة والأشراف ووجوه الناس إلى أن يؤذن لهم . فاجتمعنا في ذلك المكان ، وفيه جماعة من بني هاشم وقريش والأنصار . ( قال ) : والخلق يعظّمون محمد بن الحسن لقربه من أمير المؤمنين وتمكّنه منه . فاندفع يعرّض بي ويذمّ أهل المدينة فقال : من أهل المدينة ؟ وإيش يحسنون ، أهل المدينة ؟ واللّه لقد وضعت كتابا على أهل المدينة كلّها لا يخالفني فيه أحد ، ولو علمت أنّ أحدا يخالفني في كتابي هذا تبلغني إليه الرواحل ، لضربت إليه حتى أردّ عليه . قال الشافعيّ : قلت في نفسي : إن أنا سكتّ نكست رؤوس من ههنا من بني هاشم وقريش ، وإن أنا رددت عليه أسخطت عليّ السلطان . ثمّ إنّي استخرت اللّه تعالى في الردّ عليه فتقدّمت إليه فقلت : أصلحك اللّه ، طعنك على أهل المدينة ، وذمّك أهل المدينة ، إن كنت أردت رجلا واحدا ، وهو مالك بن أنس ، فهلّا ذكرت ذلك الرجل بعينه ولم تطعن وتذمّ أهل حرم اللّه وحرم رسوله ، وكلّهم على خلاف ما ادّعيت ؟ وأمّا كتابك الذي ادعيت أنّك وضعته على أهل المدينة فكتابك من بعد « باسم اللّه الرحمن الرحيم » ، خطأ إلى آخره : قلت في مسألة كذا : كذا ، وهو خطأ ، وقلت في مسائل الحامل كذا وكذا ، وهو خطأ ، وقلت في شهادة القابلة كذا وكذا ، وهو خطأ . ( قال ) : فاصفرّ محمد بن الحسن ولم يحر جوابا . وكتب أصحاب الأخبار إلى هارون بما كان ، فقال : ما ذا ينكر لرجل من ولد المطّلب أن يقطع مثل محمّد بن الحسن ؟ ( قال ) : فعارضني رجل في المجلس من أصحابه ، فقال لي : ما تقول في رجل دخل إلى حقول رجل فرأى بطّة فرماها ففقأ عينها ؟ ما ذا يجب عليه ؟ قلت : ينظر إلى قيمتها وهي صحيحة ، وقيمتها وقد ذهبت عينها فيغرم ما بين القيمتين . ولكن ، ما تقول أنت وصاحبك في محرم نظر إلى فرج امرأة فأنزل ؟ ( قال ) : - ولم يكن لمحمّد حذاقة بالمناسك - فصاح به محمّد وقال : ألم أقل لك : لا [ 124 أ ] تسأله ؟ ( قال ) : ثمّ إنّا دخلنا على هارون ، فلمّا استوينا بين يديه ، قال لي محمد بن الحسن : يا أبا عبد اللّه ، تسأل أم أسألك ؟ فقلت : ذاك إليك . فقال : خبّرني عن صلاة الخوف ، أواجبة هي ؟ قلت : نعم . قال : ولم ؟ قلت : يقول اللّه تعالى : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ . . . الآية [ النساء : 102 ] . قال : ما تنكر من قائل قال لك : إنّما اللّه أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ وهو ] فيهم ، فلمّا زال عنهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زالت عنهم تلك الصلاة . قلت : وكذلك قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً . . . [ التوبة : 103 ] ، فلمّا أن زال عنهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زالت عنهم الصدقة ! ؟