المقريزي
177
المقفى الكبير
النخل وأكتاف الجمال ، وأكتب فيها الحديث ، وأجيء إلى الدواوين فأستوهب منها الظهور ، فأكتب فيها حتّى كان لأمّي حباب فملأتها أكتافا وخزفا . [ إقامته عند هذيل ثمّ ذهابه إلى مالك ] ثمّ إنّي خرجت من مكّة فلزمت هذيلا في البادية أتعلّم كلامها وآخذ طبعها - وكانت أفصح العرب - فبقيت فيهم سبع عشرة سنة أرتحل برحلتهم وأنزل بنزولهم . فلمّا أن رجعت إلى مكّة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيّام العرب . فمرّ بي رجل من بني عثمان من الزبيريّين ، فقال : يا أبا عبد اللّه ، عزّ عليّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة وهذا الذكاء فقه ، فتكون قد سدت أهل زمانك ! ( قال ) : فقلت : ومن بقي يقصد إليه ؟ فقال لي : هذا مالك بن أنس سيّد المسلمين . ( قال ) : فوقع في قلبي ، فعدت إلى الموطّأ فاستعرته من رجل بمكّة فحفظته في تسع ليال ظاهرا . ثمّ دخلت إلى والي مكّة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس . فقدمت المدينة وأبلغت الكتاب إلى الوالي . فلمّا أن قرأه قال : واللّه يا فتى إنّ مشيي من جوف [ 122 ب ] المدينة إلى جوف مكّة حافيا راجلا أهون عليّ من المشي إلى باب مالك بن أنس ، فإنّي لست أرى الذلّ حتى أقف على بابه . فقلت : أصلح اللّه الأمير ، إن رأى الأمير أن يوجّه إليه ليحضر ؟ فقال : هيهات ! ليتني إذا ركبت أنا ومن معي وأصابنا من تراب العقيق نلنا حاجتنا ! فواعدته العصر ، وركبنا جميعا ، فو اللّه لقد كان كما قال : لقد أصابنا من تراب العقيق . ( قال ) : فتقدّم رجل فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء ، فقال لها الأمير : قولي لمولاك إنّي بالباب . فدخلت فأبطأت ثمّ خرجت ، فقالت : إنّ مولاي يقرئك السلام ويقول : إن كانت مسألة فارفعها في رقعة نخرج إليه الجواب . وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس ، فانصرف . فقال : قولي له : معي كتاب والي مكّة في حاجة مهمّة . فدخلت ثمّ خرجت ، وفي يدها كرسيّ ، فوضعته ، ثمّ إذا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار ، وهو شيخ طوال مسنون « 1 » اللحية . فجلس وهو متطيلس ، فدفع الوالي الكتاب فقرأه حتى إذا بلغ إلى مكان : « هذا رجل من أمره وحاله فتحدّثه وتفعل وتصنع » ، رمى الكتاب من يده ، وقال : يا سبحان اللّه ! أو صار علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يؤخذ بالمسائل ؟ ( قال ) : فرأيت الوالي وقد تهيّبه أن يكلّمه . فتقدّمت إليه وقلت : أصلحك اللّه ، إنّي رجل مطّلبيّ ، ومن حالي ومن قصّتي . . . فلمّا أن سمع كلامي نظر إليّ ساعة - وكان لمالك فراسة - فقال لي : ما اسمك ؟ فقلت : محمد . فقال : يا محمّد ، اتّق اللّه ، واجتنب المعاصي ، فإنّه سيكون لك شأن من الشأن - ثمّ قال : نعم ، وكرامة ! إذا كان غدا ، تجيء ، وتجيء بمن يقرأ لك الموطّأ . فقلت : فإنّي أقوم بالقراءة . فغدوت عليه وبدأت أقرؤه ظاهرا ، والكتاب في يدي ، فكلّما تهيّبت مالكا وأريد أن أقطع القراءة
--> ( 1 ) مسنون اللحية : طويلها مصقولها .