المقريزي
396
المقفى الكبير
يسدّده في القضاء ويصونه في المنطق ويسدّده . فأجمع رأيهم على الليث بن سعد . وجمع حوثرة الجند إلى المسجد وخطبهم بشعر بلعاء « 1 » بن قيس [ الطويل ] : دعوت أبا ليلى إلى الصلح كي يبو * برأي أصيل أو يردّ إلى حلم « 2 » دعاني لشبّ الحرب بيني وبينه * فقلت له : مهلا ، هلمّ إلى السلم وبعث الخيل في طلب رؤساء الفتنة ووجوههم . فجمع عامّتهم وضرب عنق رجاء بن الأشيم [ الحميريّ ] « 3 » في عدّة ، لثنتي عشرة بقيت من المحرّم . وعزل خير بن نعيم عن القضاء ، وفرض لشيعة مروان ومن كان يكاتبه ، وصافي الخاصّة ، وفرض لزيان بن عبد العزيز في بني أميّة ألفا ، وفي قيس ألفا ، وفرض لجماعة ، وعقد لمحمّد بن [ 409 ب ] زيان بن عبد العزيز على الجند وأنفذ معه أهل الديوان إلى العريش ، فطلبوا ثابت ابن نعيم الجذاميّ حتى أسروه وبعثوا به إلى مروان [ بن محمد ] . ثمّ قتل حفص بن الوليد ، ويزيد بن موسى بن وردان لليلتين من شوّال . وقدم داعية عبد اللّه بن يحيى طالب الحقّ أحد الخوارج إلى مصر ودعا إليه فبايعه أناس من تجيب وغيرهم . فاستخرجهم حسّان بن عتاهية ، فقتلهم حوثرة . ثمّ صرف حوثرة عن مصر في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائة ، وبعث به مروان مددا إلى يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق . فاستخلف على مصر حسّان بن عتاهية - وقيل : بل [ 422 ب ] استخلف أبا الجرّاح بشر بن أوس - وخرج من مصر لعشر خلون من رجب سنة إحدى وثلاثين . وكانت ولايته على مصر ثلاث سنين وستّة أشهر . ولحق حوثرة بابن هبيرة فسار معه يريد محاربة قحطبة بن شبيب أحد دعاة بني العبّاس ، وقد استولى على عامّة أنعامه ونزل جلولاء . فأقبل إليه قحطبة وعبر دجلة ونزل دون الأنبار . فقدّم ابن هبيرة حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة فارتحل في أثره - وقيل : إنّ حوثرة لم يفارق ابن هبيرة . وقيل : إنّ مروان لمّا استبطأ ابن هبيرة في مناجزته قحطبة كتب إليه : كأنّك لا ترى أنّ زامل بن عمرو قبلي ، فو اللّه ما أعلم مكان عربيّ على وجه الأرض لو كانت الخلافة تصلح له أولى بها منه « 4 » . فقال ابن هبيرة : يرحم اللّه أمير المؤمنين : ما يدع المحسن حتّى يسيء ! فبعث مروان الحوثرة على العراق وقال له : لا تظهر عهدك حتى تقدم على يزيد ، فإنّي أخاف أن يمتنع عليك . فخرج وهو لا يشكّ في العراق أنّه قد وليها فكان إذا كتب إلى يزيد بن هبيرة يبدأ بنفسه . فبلغ ذلك مروان فكتب إليه : بلغني كتابك إلى يزيد وأنّك بدأت بنفسك . فإذا جاءك كتابي هذا
--> ( 1 ) بلعاء بن قيس الكنانيّ . انظر الحيوان 3 / 60 هامش 5 . والمؤتلف والمختلف ( في أسماء الشعراء ) للآمدي ، نشر عبد الستّار فرّاج القاهرة 1961 ص 150 . ( 2 ) يبو : يبوء ، أي يرجع ويقرّ . والبيتان نقلهما الكندي ، 90 . ( 3 ) زيادة من النجوم 1 / 305 . ( 4 ) زامل بن عمرو السكسكيّ الحبرانيّ هو والي مروان بن محمد على حمص ودمشق ، انتقض عليه أهل الغوطة فأخمد ثورتهم . انظر مختصر ابن عساكر 8 / 373 ( 198 ) والطبريّ 7 / 312 والكامل 5 / 329 . وكلام مروان هنا يقابل حزم زامل بن عمرو بتردّد يزيد بن عمر بن هبيرة على وجه اللوم والاستفزاز . ولم نجد هذه الكلمة في التوقيعات التي جمعها ابن عبد ربّه لمروان في العقد 4 / 210 .