المقريزي

386

المقفى الكبير

رجلا - وقيل ستّة - وثمانية أفراس . وخرجوا بحميضة ورميثة في الحديد إلى ظاهر مكّة . وأقيم في إمارة مكّة عوضهما أخواهما أبو الغيث وعطيفة . وساروا بحميضة ورميثة إلى مصر ، وصعدوا بهما في الحديد إلى قلعة الجبل أوّل يوم من المحرّم سنة اثنتين وسبعمائة . فسجنا إلى صفر سنة ثلاث وسبعمائة . [ ثمّ ] أفرج عنهما وأحضرا بين يديّ الملك الناصر محمد بن قلاوون ، وأعيد حميضة إلى إمرة مكّة ، ومعه أخوه رميثة على عادتهما ، وخلع عليهما ، وأريد حميضة أن يلبس كلفتاه زركش فامتنع من ذلك . فهدّد بعوده إلى السجن إن لم يفعل ، فلبسها ، وأجلس هو ورميثة فوق الأمراء . وانصرفا . فبعث إليهما [ 418 ب ] الأميران بيبرس وسلّار وسائر الأمراء الهدايا ، وأجريت عليهما الرواتب السنيّة . وصارا يركبان بالميدان مع السلطان . ولعب حميضة بالكرة مع الأمراء والسلطان ، وبالغ الجميع في تعظيمه وإكرامه ، إلى أن سافر بأخيه ، ومعهما عزّ [ 536 ب ] الدين أيدمر الكوندكي ليسلّمهما مكّة . فأقام بمكّة إلى أن خرج بالركب من مصر الأمير سيف الدين نوغاي القبجاقي في سنة سبع وسبعمائة ، وقدم به إلى مكّة . فبلغه أنّ عبيد حميضة تتخطّف من التجّار أموالها وتتعرّض للحجّاج وتأخذ منهم ما أرادت غصبا . فأرسل جماعة لتقبض على واحد منهم . ففرّ من كان معه من رفاقه وأخذ . فثارت العبيد وأركبوا حميضة ومعه الأشراف بالسلاح يريد الحرب ، وكان شجاعا مقداما متهوّرا لا يحسب أنّ أحدا يقف له . فركب نوغاي أيضا بأصحابه وثبت موضعه ونادى بالأمان وأن لا يخرج أحد من موضعه ، ومن عدم له شيء كان على أمير الركب ، ثمّ ساق بمن معه . فإذا طائفة من أهل الستر والحجّاج قد تعلّقوا بالجبل خوفا من الشرّ أن يدركهم . فوضع السيف فيهم وقتل منهم خلقا كثيرا على أنّهم من العبيد . وأعلم بهم فلم يكفّ عنهم . وأقبل يريد حميضة بمكّة ، فانهزم عنه لكثرة من معه . وخرج شيوخ الحرم والمجاورون إلى نوغاي ، وما زالوا به حتّى رجع . واستمرّ حميضة فكثر ظلمه . وبلغ ذلك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ، فجرّد إليه الأمير سيف الدين طقصبا الناصريّ على جماعة من أمراء مصر ، وجرّد من دمشق الأمير بلبان البدريّ ، ووصلوا جميعا مع ركبي مصر ودمشق في موسم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة . ففرّ حميضة إلى جهة اليمن ونزل حيّ بني يعقوب . فرتّب طقصبا عوضه أخاه أبا الغيث بن أبي نميّ ، وأقام العسكر معه بعد الموسم شهرين ، وعادوا . فجمع حميضة وقدم مكّة بعد ما استمال بني حسن ، فتركوا أبا الغيث وانهزم إلى وادي نخلة ، واستقرّ حميضة بمكّة . فبعث إلى السلطان باثني عشر فرسا قودا وسأل العفو . فلم يعف عنه وحبس رسوله . فقطع حميضة اسم السلطان من الخطبة ودعا لصاحب اليمن ، وأخرج أخاه رميثة . فقدم مصر في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ، فجرّد السلطان معه عسكرا . ثمّ أخرج حميضة أخاه أبا الغيث من مكّة أيضا ، فنزل وادي نخلة . فخرج إليه وقاتله فقتل أبو الغيث . وعقيب قتله قدم العسكر مع رميثة ، ففرّ منهم مختفيا في زيّ امرأة وسار إلى العراق ولحق بخربندا ، فاحتفل به وتلقّاه وبالغ في إكرامه وأجرى له الرواتب ، ووعده أن يردّه إلى إمارة مكّة بجيش يبعثه معه ليقيم له الخطبة بالحجاز . وندب [ 537 أ ] معه أربعة آلاف فارس ليوصلوه إلى مكّة ، ويقيم بها معه ألف فارس ويعود بقيّتهم .